المقالات

الأمر جدّ خطير.. ولا يقبل الصمت!

كلمة العودة: مجلة العودة – العدد الخامس – السنة الأولى – شباط (فبراير) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

«نحن راضون تماماً لنتائج الزيارة، وبحثنا في جميع القضايا التي يتوقعها المحللون والتي لم يتوقعوها». هذه كلمات الرئيس محمود عباس تعبيراً عن فحوى محادثاته مع الرئيس الأمريكي جورج بوش في أثناء زيارته القصيرة إلى رام الله.

بعد هذه الكلمات أدلى بوش بـ«رؤيته» لحل القضية الفلسطينية، التي تضمنت إنهاء حق العودة الفلسطيني بلا عودة، والاستعاضة عن ذلك بـ«التعويض»، واعتماد الدولة الفلسطينية المنتظرة وجهةً للفلسطينيين العائدين (أو بعضهم). كما تحدث الرئيس الأمريكي بوضوح عن ضمان يهودية دولة الاحتلال ونقائها من «الأغيار». بل يصل الأمر إلى حدّ إعادة النظر في «الحدود» وطرح مبدأ «تبادلية الأراضي».

يستدعي هذا كلّه ما أكدناه في افتتاحية «العودة» سابقاً، من أنّ هناك حاجة إسرائيلية مدعومة أمريكياً لـ«دولة فلسطينية» على مقاس خاص، كي تنهي معها الحقوق الفلسطينية، وعلى رأسها حق العودة.

نتوقع من الرئيس بوش الإقدام على كل شيء في سبيل إرضاء الجانب الإسرائيلي. ولا نرتجي منه، كما لم نرتجِ من أي رئيس أمريكي آخر، نصرة الشعب الفلسطيني أو إنصافه. فنحن نعي جيداً أنّ آلة الحرب الإسرائيلية التي تقتل الفلسطينيين صباح مساء ما هي إلا أمريكية الصنع بالمجمل. أما قرار الإسناد السياسي والدبلوماسي من البيت الأبيض، فجاهز على الدوام في تغطية هذه الجرائم وتمريرها دولياً، ومن الواضح أنّ مجازر غزة التي يمضي جيش الاحتلال في ارتكابها على قدم وساق لن تكون نهاية مسلسلاتها.

ما أصبح فوق التحمّل حقاً، هو ردّ فعل الرسميين الفلسطينيين، كما تجلى في مباركة عباس لما ردّده بوش. فمما يجب أن يتوقف عنده كل الفلسطينيين حيثما وُجدوا، هو أنّ الرئيس عباس راح يعلن عن غبطته وبهجته من نتائج الزيارة المسيئة للقضية الفلسطينية، بدلاً من تناول «رؤية» بوش بالنقد والرفض اللذين تمليهما المصالح الوطنية العليا، فضلاً عن مطالبة الجانب الأمريكي بوقف سياساته المعادية للشعب الفلسطيني.

لم تكن تلك المحطة الوحيدة. فحتى في مناسبة عقد اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني، التي استعرض فيها عباس جملة من القضايا، لم تأخد مضامين «رؤية» بوش حظها من الرفض الواضح والامتعاض الذي كان يستدعيه الأمر. لكننا وجدنا الرفض والامتعاض يبرز بمجرد أن تطرّق الحديث للخلاف الداخلي في ساحتنا الفلسطينية. وفي خطابه يومها، صال الرئيس عباس وجال، وأسهب وفصّل، في تعميق حجم الهوّة في الساحة الفلسطينية، وكأنّ أزمتنا الداخلية بحاجة لسكب مزيد من الزيت على نارها المتأججة. بل ما يعكس فقدان البوصلة وعمق الأزمة، ما عبّر عنه صانع القرار الرسمي حين تناول مسألة منظمة التحرير، رافضاً «تسليمها إياهم»، حسب تعبيره، بما يعني أنّ أبواب المنظمة لن تكون مفتوحة أمام الفلسطينيين جميعاً، وستحتفظ بامتياز الانغلاق على هياكل هرمة ووقائع هشة تفتقر إلى الشرعية.

لا نريد لأهل الرأي والمؤسسات الأهلية الفلسطينية المتبنّية لخط الدفاع عن حق العودة أن تقصر جهودها على الرد على «رؤية» بوش، مع أهمية ذلك، فما يتطلبه الأمر كذلك، التداعي إلى معالجة حقيقية وطنية لما يبدو خطراً داخلياً داهماً يهدِّد بضياع الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها حق العودة، برعاية من الفريق الفلسطيني المفاوض. فليس خافياً أنّ بوش يعوِّل على تمرير مشروعه المناهض لحقوق شعبنا من خلال طرف في الساحة الفلسطينية لا يتورع عن انتهاك المحظورات الوطنية كلما طاب له. فطريقة تعاطي هذا الفريق مع قضايا الساعة التي تهمّ الشعب الفلسطيني وتشغله، تستوجب وقفة جادة للوقوف على فداحة ما يقوم به من تجاوزات، خاصة في غمرة التمادي في لقاءات عصية على الحصر مع الطرف الإسرائيلي.

للدفاع عن الحقوق مساراته، ومنها أن لا يشعر المفرِّطون بتلك الحقوق بأنهم يتحرّكون في فضاء مريح. ولذا فلا مناص من الإكثار من مظاهر الرفض وتنويعها، وإسماع صوت شعبنا الذي يضع يديه على قلبه. وإنّ ما ننتظره هو تحركات فاعلة ترفع صوتها في اللحظة الداهمة التي نعيشها، مثل مؤتمر دمشق للحفاظ على الثوابت وحمايتها، فخطورة الوضع تستدعي رؤية المشهد الواقعي بدون إضافات تحسينية مصطنعة.

يبقى أقل ما يمكن القيام به لأداء الأمانة مع القضية العادلة، والنأي بها عن عبث العابثين، هو السير في عزل من يحمل صفة التمثيل للشعب الفلسطيني على غير وجه حق، والتدقيق في ما يجري من تجاوزات دون تأخير أو التهاون.

كلمة العودة: مجلة العودة – العدد الخامس – السنة الأولى – شباط (فبراير) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى