المقالات

اللاجئون الفلسطينيون: اكتساب الحقوق المدنية وآليات التمسك بحق العودة

مقال في كتاب «أوراق فلسطينية وعربية» – 2008 – تكريماً لرفعت صدقي النمر – تحرير د. أنيس صايغ
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

يعاني اللاجئون في معظم الدول العربية التي تستضيفهم ظروفاً حياتية صعبة، إن من ناحية قانونية، أو من النواحي المعيشية الفلسطينيون المختلفة التي تتمثل بصعوبة الحصول على الوظائف في القطاع العام والخاص، وحرمانهم الحصول على فرصهم في التعليم، فضلاً عن ظروف التنقل الصعبة بين الدول العربية وداخلها أحياناً. وقد تبينت لنا جوانب عديدة من هذه المعاناة في أكثر من منطقة من مناطق اللجوء. ولعل الحجج المطروحة من هذه الدول في انتهاج هذه السياسات تتمثل برغبتها في مقاومة مشاريع التوطين ودعم حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، والخوف من تحول اللاجئين عن فكرة العودة إذا تحسنت ظروف معيشتهم. ومن هذا المنطلق، فإننا نعتقد أنه يجب على الفلسطينيين، مؤسساتٍ رسمية وغير رسمية وأفراداً، التعامل مع هذه الحجج بهدف تفنيدها من خلال الواقع الموجود، حتى نصل إلى قناعات مشتركة مع الدول العربية المضيفة، بأنْ ليس هناك علاقة تقاطع سلبي بين أن يتحصل اللاجئون الفلسطينيون في الدول المضيفة على فرصة حياة سهلة، وتمسكهم بحقهم في العودة. ولعلنا نعالج بسرعة عدم واقعية هذه النظرة.

جدلية تحسين ظروف المعيشة والتمسك بحق العودة

لعلنا نضع مدخلاً لمعالجة هذه النقطة من خلال عدة نقاط نعتقد بموضوعيتها، تحول دون أن يتخلى الشعب الفلسطيني عن حقه في العودة، ونذكر منها:

  1.  العلاقات الاجتماعية القوية على الصعيد الفلسطيني: إن الرابط العائلي القوي بين أبناء الشعب الفلسطيني الذين يعيشون في قطر واحد بمناطق اللجوء، وكذلك استمرار علاقاتهم الوثيقة والقريبة مع أقربائهم في الضفة والقطاع وفلسطين المحتلة عام 1948، يجعل استحالة أن يقطع الفلسطينيون صلتهم بفلسطين، وأن يتخلوا عن حق العودة مهما تحسنت أوضاعهم في الخارج. والمثال الأوضح هنا، فلسطينيو الأردن، ومدى الارتباط الوثيق بينهم وبين أهلهم في الضفة الغربية. وقد خدمت طبيعة العلاقة السياسية على جانبي النهر خلال القرن الماضي قوة ومتانة هذه العلاقة.
  2.  تجارب الحياة الكريمة: إن إحصائية سريعة ومسحاً تقريبياً لتعاطي أبناء الشعب الفلسطيني في الدول الأوروبية، حيث سهولة الحياة، وكذلك في الدول العربية التي تعاملت بشكل جيد مع أبناء الشعب الفلسطيني لناحية الوضع القانوني، كما هو الحال في سورية، نلاحظ أنهم لم ينسوا فلسطين، ولم يقطعوا صلتهم بها. بل إن الحراك السياسي نحو التمسك بحق العودة والرجوع إلى فلسطين ودعم صمود الشعب في هذه المناطق، في مستوى جيد إذا قيس بالنماذج الأخرى.
  3.  بقاء فلسطينيي الشتات في غالبيتهم العظمى في فلسطين وحولها: فبالرغم من مرور ستة عقود على عمر الصراع، ما زال معظم الفلسطينيين يعيشون في فلسطين التاريخية والدول المجاورة لها، ما يجعل البعد المادي عوضاً عن نسيان فلسطين كأرض، مستحيل عملياً.
  4.  اختلاف الأطراف المعنية بالصراع: إن استحالة أن تتفق الأطراف المعنية بالصراع، إن على الصعيد العربي أو الدولي، وعدم إمكانية أن تُجمع على حلّ لقضية اللاجئين، لاختلاف طرق تفكيرها، بالإضافة إلى اختلاف الظروف المحلية لكل دولة على حدة، كل ذلك يصعب معه تشكيل رؤية تجمع عليها الأطراف المعنية كافة، وهذه الاختلافات من شأنها أن تخدم الحراك الفلسطيني في تطبيق حق العودة وتصعّب موضوعية توطين اللاجئين، وبذلك فإن اختلاف طرق التعامل مع اللاجئين في الدول المضيفة واختلاف موقفهم من المقاومة سيعكس الحال على المجموعة الدولية.
  5.  طبيعة العدو الصهيوني: إن طبيعة الاستعلاء الصهيوني القائمة على فكرة إلغاء الشعب الفلسطيني أو عدم وجوده والسيطرة على الأرض والتعامل معه بسياسة القتل والتشريد، كما هو حاصل في فلسطين طوال ستين سنة من عمر الصراع، وخصوصاً في الضفة والقطاع، بل يتعدى ذلك إلى ملاحقة الفلسطينيين في العالم أينما حلوا، وتصدير دعاية للغربيين وللعالم من اقتران الإرهاب كمصطلح بالفلسطينيين، إن كل هذا وغيره يذكر الفلسطيني صباح مساء بأن عليه واجبات يجب أن يؤديها، بل يجبر المتقاعسين من أبناء الشعب الفلسطيني في الشتات على إدامة تذكّر فلسطين والعمل على الرجوع إليها. وهناك العشرات، بل المئات من القصص الفردية والجماعية التي يسردها أبناء الشعب الفلسطيني والتي تعبّر عن زيادة ارتباطهم وانتمائهم إلى فلسطين كهوية، وذلك من جرّاء ما يقوم به العدو الصهوني من ممارسات ضدهم. وأضيف نقطة الجاليات الفلسطينية في الغرب تعيش جنباً إلى جنب مع الجاليات اليهودية التي تعمل بشكل مكثف لدعم الدولة العبرية، وهذا يحفز الهمم ويذكي روح الصراع في نفوس الفلسطينيين.
  6.  الدعم الغربي للدولة العبرية واليهود: إن المعاملة (الخاصة والاستثنائية) التي يتلقاها اليهود في العالم والدولة العبرية بشكل خاص والقوانين التي تُسَنّ لتخليد مآسيهم وإحياء ذكرى (الهولوكوست) والدعم اللامحدود التجاري والصناعي والعسكري يستفز مشاعر كل فلسطيني مهما تدنّى الحسّ الوطني لديه (إن افترضنا ذلك) ويذكره بفلسطينيته، ويذكي فيه روح الصراع في أي رقعة جغرافية وُجد عليها، سواء في المخيمات الفلسطينية أو في الشتات في أصقاع العالم. وهذا ينافي فكرة أن ينسى الشعب الفلسطيني أرضه ويتخلى عن حقه.
  7.  استمرار المقاومة الفلسطينية: إن الانتفاضات في الداخل الفلسطيني تشكل رافعة دائمة للهمم بين فلسطينيي الشتات لناحية التمسك بحقوقهم، وتعطي حافزاً للعمل النابع من التفاؤل بإمكانية، النصر إن لم يكن حتميته.

وبالإمكان سَوق العديد من الأفكار الموضوعية في هذا الجانب، إلا أننا نخلص إلى القول بأنه بعد ما يقرب من ستة عقود من الصراع وقراءتنا لمنحى الأحداث وتصاعدها وكل المحن التي حلّت بالشعب الفلسطيني، يمكن من خلالها استشراف المستقبل، من حيث إن الفلسطيني لم يتخلّ عن حقوقه طوال تلك الفترة، رغم كل المؤامرات التي حيكت، ورغم كل ما حلّ به، ها هو يؤكد لنا عدم تخليه عن حقه في العودة لدياره.

ولعل الدول العربية المضيفة التي لم تحسن معاملة اللاجئين، تفقد نفسها فرصة الاستفادة القصوى من خدمات اللاجئين الفلسطينيين وخيراتهم وكفاءاتهم. وهناك دراسة لزميلي الأستاذ طارق حمود، بأرقام تقريبية نوعاً ما، تعطي مثالاً غير حصري على إنجازات أبناء الشعب الفلسطيني في سورية، كمثال للدولة التي ساوت في المعاملة بين اللاجئين الفلسطينيين ومواطنيها.

الموقف الفلسطيني وحق العودة

أدى الإجماع الفلسطيني على التمسك بكلّ الحقوق الفلسطينية، وعلى رأسها حق العودة، إلى تماسك الجبهة العربية في وجه النظرة الإسرائيلية، وحتى بعد إسقاط النهج الثوري المسلح خياراً وحيداً لتحرير فلسطين من أجندة قوى منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك طرح البرنامج المرحلي عام 1974، ولاحقاً إعلان الدولة الفلسطينية عام 1988، ظلّ حق العودة الفلسطيني ثابتاً أساسياً، متبنى في الأجندة السياسية الفلسطينية الرسمية. وقد انسجم هذا مع الإجماع الفلسطيني الشعبي على هذا المبدأ الذي لم تُعطِ مؤشرات قياس الرأي العام الفلسطيني خلافه. ومع دخول المنطقة في حقبة «أوسلو»، وسيادة ما بات يعرف بالواقعيّة السياسيّة في المنطقة، القائمة على عدم القدرة على مواجهة أميركا، باعتبارها القطب الأوحد في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وهزيمة العراق في حرب 1991. انقلبت المفاهيم السياسيّة وأصبح كل شيء قابلاً للأخذ والردّ، بما في ذلك الثوابت والحقوق المسلَّم بها. وفي ما يتعلق بالحقوق الفلسطينية، وعلى رأسها حق عودة اللاجئين إلى ديارهم، اقترب الطرف الفلسطيني من هذا الملف، ما عزز من سياسة التضييق على اللاجئين الفلسطينيين المستضافين في هذه الدول. ومن ناحية أخرى، ساهم التوقيع على ما يعرف بوثيقة جنيف – الموقَّع عليها في كانون الأول (ديسمبر) 2003 من قبل قيادات فلسطينية رسمية وشبه رسمية مع شخصيات من قوى اليسار الإسرائيلي – في تبيان الحقيقة الواضحة من الوثيقة الأخيرة، وهي أن الموقف الفلسطيني قد تماهى مع الموقف الإسرائيلي إلى حدّ التماثل. ومن الضروري ملاحظة أن اللاجئ الفلسطيني قد أعطى جانب الاختيار لمكان السكن الدائم، ولكن في سياق محدد ومضبوط بالإرادة الإسرائيلية الرافضة لعودته إلى قريته ومدينته التي هُجّر منها، باعتبار ذلك تهديداً للهويّة اليهوديّة للدولة. وجاءت تصريحات الرئيس محمود عباس لتؤكد على المنهج نفسه حينما دعم فكرة التجنيس الجماعي للفلسطينيين في الدول العربية، ما يعطي هدية للنظرة الإسرائيلية في حلّ مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في الإطار العربي بعيداً عن الدولة العبرية، باعتبارها ليست مسؤولة عن خلق مشكلتهم. وننطلق من هنا لتأكيد حقيقة أن الشعب الفلسطيني قد أنجز خلال العقود الماضية تثبيتاً لمبدإ استحالة تجاوز حق العودة، فكان أن أُجبر واضعو الحلول «الخلاقة» على التحايل على هذه النقطة بالذكر الشكلي للحق وإعطاء حق الاختيار الإنساني كبعد أساسي في الحال. ويستنتج من هذا أن ردّ الفعل الشعبي والجماهيري أصبح يحسب له حساب لدى صانعي القرار، وخاصة بعد تجربة الانتفاضة الأولى والثانية التي خلطت الأوراق في المنطقة وعطلت اتفاقات كثيرة. وتجلّى ذلك في أوضح صورة عندما تمكن الردّ الجماهيري العربي والعالمي غير المتوقع على اغتيال الشيخ أحمد ياسين من خلط كلّ الأوراق، حتى غدا أحد أسباب عجز القمة العربية عن الانعقاد آنذاك، أنها لا تستطيع أن تجاري الغضب الجماهيري الفلسطيني والعربي.

دور مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني في التمسك بحق العودة

بعد ما تقدم من غياب رسمي فلسطيني جدي على صعيد منظمة التحرير في التعامل مع حق العودة، لا بد لنا من توجيه النظر إلى ما يمكن أن يساعد في زيادة طمأنة الدول العربية إلى ما يمكن أن يُصطلح عليه بأنه خطوط عامة لآليات يمكن تبنيها للتمسك بحق العودة، وبالإمكان إنتاجها، إن على المستوى الرسمي الفلسطيني، أو على صعيد مؤسسات ولجان حق العودة، ما يظهر تماسكاً فلسطينياً حول هذا الحق ويطمئن من جانب آخر الدول العربية إلى سلامة الموقف الفلسطيني في هذا الجانب. وأركز على الجانب المدني في هذه الآليات، باعتبار أن الجانب الرسمي يحتاج إلى توافر النيات الصادقة في التعامل الجدي مع حق العودة، وهذا وحده يوفر الضمان للتمسك بكل الحقوق، وعلى رأسها حق العودة.

– توحيد النظرة إلى قضية اللاجئين وحق العودة: أول ما يمكن أن تبدأ به اللجان، هو التوافق على فهم طبيعة الكيان الصهيوني ونظرته إلى حق العودة وما تبع ذلك من ممارسات. فقد ظلت النظرة الصهيونية المعلقة بحلّ مشكلة اللاجئين الفلسطينيين واحدة في جوهرها، ولم يطرأ عليها تغيير كبير منذ إنشاء الكيان الصهيوني وحتى اليوم. وقد قامت هذه النظرة خلال ما يقارب من العقود الستة الماضية على عدم اعتراف «إسرائيل» بخلق المشكلة، وأنها بالتالي غير معنية بعودة اللاجئين، وأن رقعة جغرافية واسعة في العالم تتطلب حلاً دولياً قائماً على توزيع اللاجئين الفلسطينيين ككتل بشرية على عدة دول على شكل حصص، مع ضمان «إسرائيل» أن يكون لها الحظ الأقل في أن تكون الوجهة الأساسية لاستيعاب أعداد كبيرة منهم. وعليه، فقد حرصت الدولة العبرية على شنّ حرب إعلامية دبلوماسية على مصطلح حق العودة، باعتبار ما يمثل من بعد قانوني يستند إلى المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة باللاجئين في العالم بشكل عام، والفلسطينيين على وجه الخصوص.

2- التخطيط السليم: فابتداءً بالتخطيط السليم القائم على تحديد الهدف الرئيس للاستراتيجية والتمثيل بالتمسك بكلّ الحقوق الفلسطينية، وعلى رأسها حق العودة، مع الوضوح التام بأن الحق كل لا يتجزأ، وأن اللاجئ الفلسطيني صاحب حق وليس مفاوضاً، وبالتالي فهو غير معنيّ بتفاصيل الحلول السياسية وتعقيداتها. ولعلّ ذلك يمكن أن يكون سلاحاً سياسياً قوياً يُشهَر في وجه الأجندة الإسرائيلية، إذا ما أراد استخدامه لجهة تحصنه بالإجماع الشعبي الفلسطيني على التمسك بحق العودة وعلى عدم إمكانية تجاوز الرغبة الشعبية الجامحة. ولا بأس بأن تتأسى بالسياسي الإسرائيلي في هذا المجال، الذي دائماً ما يتذرّع بالإجماع الإسرائيلي الشعبي على رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين، حتى بات العالم الغربي الرسمي مقتنعاً بهذه الرؤية، ويدل على ذلك ما تضمنه التقريران اللذان صدرا عن لجنة الأزمات الدولية ووزارة التنمية البريطانية بنحو منفصل، ومن قبلهما ورقة كلينتون في ما يتعلق بموضوع اللاجئين كمؤشرات واضحة على التبني الغربي لمفهوم تجاوز حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، والبحث في المقابل عن أية حلول بديلة من قبيل التوطين.

3- التعامل الاستراتيجي بعيد المدى مع حق العودة: وهنا لا بدّ من توحيد المفاهيم لدى المؤسسات الأهلية بأن حق العودة ليس مقروناً بجيل واحد، وبالتالي فبعد النظر مطلوب وحيوي في رسم خطة مرحلية للتعامل مع التقاطعات والتعقيدات السياسية القائمة في المنطقة والعالم. وهنا نعتقد أن المفاوض الفلسطيني أخطأ في بناء استراتيجيته التفاوضية على حلّ القضية الفلسطينية خلال الحقبة الزمنية الحالية، وهذا ما اضطره إلى تقديم تنازلات واضحة وخطيرة، هو نفسه يعترف ببعضها. ومرّة أخرى نستدعي المثال الصهيوني في تحقيق أهداف بعيدة المدى ضمن استراتيجية مرحلية تحافظ على بقاء الهدف الاستراتيجي حتى تتوافر الظروف وعناصر القوة له للتحقق. ولذلك، نرى أن الفاصل الزمني بين انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بال عام 1897، وإقامة الدولة العبرية خمسون سنة.

4- التنظيم الدقيق والاستفادة من التجارب السابقة: يتبع ذلك التنظيم الدقيق لمجمل أعمال وأنشطة الدفاع عن حق العودة باتباع نهج العمل المؤسسي. وهذا يضمن حسن الترتيب وتكوين مرجعيات لأبناء الشعب الفلسطيني تضبط إيقاع حركة حق العودة. ومن أهم أولويات هذه المؤسسة، الاستفادة من التجارب الماضية، سواء على الصعيد الرسمي في ما يعرف بالتوثيق، وهذا ينسحب على الأعمال اللاحقة لهذه المؤسسات، بما يضمن توريث التجربة للأجيال القادمة. ولا نتردد في القول إن ضعف الأداء العام للمؤسسات الفلسطينية في العقود الماضية على المستويات كافة، مردّ بعضه إلى اختزال العمل بشخص واحد، هو الحاكم بأمره في كل التفاصيل من دون تسجيل أو توثيق، فإذا غاب أو غيّب انتهت التجربة وفقد الشعب هذا الرصيد من العلاقات والتجربة، ما يصعب تعويضها أو حتى البناء عليها.

5- نشر ثقافة التقييم والشفافية: ومن الخطوات التي يمكن أن تعكس ارتقاءً في العمل، انتشارُ ثقافة التقييم الدوري للعمل، بما فيه من مراجعة جادة لما يمكن أن يكون قد ارتكب من أخطاء. ولا نبالغ في أن هذه الثقافة تكاد تكون معدومة في تجربة العمل الوطني الفلسطيني في الفترة الماضية، وهذا ما أوقعنا في أخطاء استراتيجية لاحقاً. فهل يعقل، على سبيل المثال، أن نمرّ كفلسطينيين بتجربة حرب الـــ 1970 في الأردن، ثم الحرب اللبنانية في السبعينيات، والاجتياح الإسرائيلي للبنان في الــــ 1982 وما تلاه من حصار لبيروت وخروج قوات الثورة الفلسطينية إلى المنافي، وبعد ذلك حرب المخيمات في أواسط الثمانينيات من دون أن نقف وقفة قيادية جادة نستكشف فيها الأخطاء التي ارتكبت والأشخاص الذين سببوها، ونجد بعد هذه الفترة أن الشخصيات التي كانت تتصدر العمل في أواخر الستينيات ما زالت تتحكم في مفاصل صنع القرار في مساحات متعدّدة، إن على صعيد الفصائل، أو على المستوى الشعبي. ولا يقبل للمؤسسات الأهلية إن أرادت سلامة الطريق إلا أن تتجاوز مثل هذه العيوب. وبانتهاج موازٍ لهذا، وعملاً بمبدإ الشفافية، ومن أجل كسب التأييد الجماهيري، لا بد من اتباع سياسة المكاشفة المالية عن مصادر المال الذي يجمع لأجل المشاريع الخاصة بالمؤسسات، وبيان مجالات الصرف حتى تتحقق التفاتة جماهيرية مطمئنة إلى هذه الأعمال، ولا أظننا بحاجة إلى طويل تفصيل في أهمية مثل هذه المبادرة.

6- التنسيق الميداني في الصعُد كافة: تبدأ الخطوات العملية في الحرص على التنسيق في جميع الصعد لمجمل الأنشطة والأعمال، وخاصة مع امتلاء ساحة العمل الفلسطيني باختلاف الجغرافيا بالمؤسسات التي تعمل لأجل القضية، وليس بالضرورة أن تكون فلسطينية. ومما يعين على التنسيق المحكم، القضية التي ليس بالضرورة أن تكون فلسطينية. ومما يعين على التنسيق المحكم، انتشار روح التجرد والتعاون تحت راية الدفاع عن حق العودة وانتفاء عامل التحيز للشخص أو المؤسسة أو للحزب حتى ندخل في دائرة التنافس الشريف البناء. وهنا نستحضر التجربة الرائدة في تنسيق أهلنا في داخل فلسطين لأعمال انتفاضة الأقصى الذي انعكس إيجاباً على نجاح الفعاليات، وأعطى ثماره على الصعيدين الإقليمي والدولي، وبلغ ذروته في إعلان فصائل المقاومة إعطاء هدنة من طرف واحد، حافظوا عليها ولم يخرقوها لعدّة أشهر.

7- التواصل بين الداخل والخارج: نشير أيضاً إلى أهمية التواصل بين قطاعات الشعب الفلسطيني في المخيمات، سواء في الداخل أو الخارج، وكذلك مع قطاعات فلسطينيي المهجر. ومن شأن ذلك أن يسهّل تدفق المعلومات وكشف المعاناة المتبادلة، ويسهم في إقامة حملات تضامنية مشتركة، ويوحّد مضمون الرسالة السياسية.

8- مضامين الخطاب السياسي: يدخلنا هذا في دائرة تطوير الخطاب السياسي من قبل المؤسسات الأهلية في موضوع حق العودة، بما يضمن عدم الفصل بين البعد السياسي والإنساني، وتجنّب الدخول في الحلول مع التركيز على البعد القانوني لحق العودة. ويجب أن تعطي الأولوية للإعلام السياسي لدى المؤسسات المدافعة عن حق العودة، مع وعينا بمحدودية سقفها كمنظمات غير حكومية. والدافع لهذا أن عدم ظهور صوت اللاجئ وتأكيده لتمسّكه بحقه، يؤدي إلى استفراد الأقلية التي تدّعي التمثيل الحقيقي لآراء الشعب. أما في مضمون ما يطرح، فإن تجنب طرح موضوع الاستفتاء من القاموس السياسي للجان حق العودة ملحّ للغاية. فالصفة الفردية والجماعية المتلازمة لهذا الحق تحول دون أن يكون الاستفتاء مطروحاً، لا على المستوى القانوني، ولا السياسي، إذا ما تكاتف الشعب على رفض طرحه.

9- تسليط الضوء على نقاط الضعف في المشروع الصهيوني تجاه اللاجئين: تأتي في هذا المجال أهمية تسليط الضوء على نقاط الضعف – وهي كثيرة – في مضامين الطرح الإسرائيلي لموضوع اللاجئين، وبدء المؤسسات الفلسطينية في تفنيدها وترتيب برامج إعلامية ونقابية وتعبوية لإظهار مدى عدم قانونيتها وصحتها. ويأتي قانون العودة الإسرائيلي العنصري على رأس القائمة في هذا السياق، لما له من خطر كبير في إدامة الصراع وبقاء اللاجئين الفلسطينيين بعيدين عن أرضهم. ويكاد هذا القانون أن يكون فريداً في عنصريته وعدم منطقيته على صعيد قوانين الاستيعاب البشري في العالم. ونسجل هنا استغرابنا الشديد لعدم تطرّق المفاوض الفلسطيني لهذه النقطة وغيرها خلال أكثر من 14 سنة منذ انعقاد مؤتمر مدريد.

10- ترويج شعارات قصيرة ذات مغزى سياسي: وضمن دائرة المضامين والمفاهيم أيضاً، من شأن ترويج شعارات قصيرة ذات مغزى سياسي وقابلة للتسويق في العالم، أن يرسّخ الحق الفلسطيني. وفي طور إرجاع الفضل إلى أهله، نذكر للجان حق العودة في أميركا تبنيها كلمة عودة في أدبياتها باللغة الإنكليزية، بل اعتمادها اسماً لها حتى بدأ هذا المصطلح يدخل قواميس اللغات العالمية شيئاً فشيئاً، كما ترسّخ من قبل مصطلحاً النكبة والانتفاضة.

11- حملات الضغط: وفي حقل برامج العمل الممكنة، يأتي تبنّي حملات الضغط من أجل التأثير في صنّاع القرار في ما يتعلق بموضوع اللاجئين والحيلولة دون التفريط في الحقوق. وحلقات التأثير هنا لا تقتصر على الوسط الفلسطيني، بل تتعداه إلى البعدين العربي والدولي. ومن شأن النضج في فكر المؤسسات وحركتها الناشطة، الوصول إلى حالة ترشيد مسار الفصائل الفلسطينية التي تتبنى في أجندتها التمسك بحق العودة. لأنه يسع هذه المؤسسات في مجالات الحركة ما لا يسع بعض الفصائل، وخاصة التي تتبنى برنامج المقاومة المسلحة، بل تمارسه.

12- توعية سياسية بين أبناء المخيمات: ويسبق هذه البرامج توعية سياسية بين أبناء المخيمات للوصول إلى حالة وعي بأهمية دورهم وما لهم من حقوق يجب ألّا يتنازلوا عنها، مع التركيز على عدم التمييز في التطبيقات الميدانية بين عمر وجنس. ومن شأن نجاح مثل هذه الحملة، الوصول إلى حالة تقريع في الوسط الفلسطيني لكل من يجرؤ على الادعاء أن الشعب الفلسطيني غير معنيّ بالعودة. وقد برز شيء من هذا ضدّ أصحاب وثيقة جنيف، ومن قبلها استطلاعات الرأي المزعومة.

13- الأجيال الجديدة وإحياء الذاكرة: لتحقيق ديمومة نقاء الفكر، وخاصةحق العودة، لا بد من الاهتمام بالأجيال الجديدة وضمان انتشار ثقافة الارتباط بالوطن ضمن منهاج تربوي تعبوي موجّه. ومن البرامج التي تيسّر هذه المهمة، ما يُعرَف بعملية إحياء الذاكرة وحفظ التاريخ الفلسطيني، الشفوي منه والمكتوب. وهذا يقودنا إلى اغتنام فرصة، يمكن أن تفوت، وهو وجود جيل النكبة قائماً بين ظهرانينا، الذي تعدّ نسبته الآن إلى 13% من إجمالي التعداد العام للشعب الفلسطيني.

14- أغنياء فلسطين: يذكرنا هذا بأهمية انخراط أغنياء فلسطين في المشاريع الوطنية ودورهم الحيوي في دفعها لكي ترى النور. مع عدم إنكار إسهام بعضهم في مشاريع بناءة خلال عمر القضية. ولعلنا نذكر المرحوم رفعت النمر، كأحد النماذج التي دخلت التاريخ الفلسطيني في هذا المجال.

15- العلوم الإنسانية: مما يخدم هذا الخط، إطلاق حملة ترشيد لطلبة الثانويات والجامعات وطلاب الماجستير والدكتوراه، من الراغبين في دراسة العلوم الإنسانية، في أن ينكبّوا على البحث في القضايا المذكورة. وهو ما يمكن أن يساهم في إتمام تسجيل كلّ ما هو مؤهل للحفظ من تراث ثقافي وحاجيات عينية، وهذا يرفع من معنويات الأجيال القادمة ويسهم في رسم شخصيتها الوطنية وانتمائها إلى فلسطين.

16- الباحثون المميزون: تبنّي الباحثين المميزين، ويكون هذا من طريق المؤسسات التي تتبنى الباحثين المتميزين والعمل على نشر أعمالهم وتوثيق أفكارهم المتعلقة بحقّ العودة. ويوازي هذا تأهيل للكادر المتخصص الذي يمكن أن ينتج قيادات قادرة وصالحة لكي تنقل أفكار وآراء الشعب الفلسطيني بأمانة ودقة.

17- الانفتاح الإعلامي واستخدام التكنولوجيا: يصاحب هذا، بلا شك، الانفتاح على تكنولوجيا العصر، وهذا يسهل التأثير في الرأي العام العالمي. وقد دعّم هذا – مع الانفتاح الإعلامي وثورة الفضائيات – نقل صورة ما يجري في فلسطين للعالم، ما أدّى إلى تغير دراماتيكي في الرأي العام العالمي تجاه القضية، وجعل «إسرائيل» تصبح الخطر الأكبر الذي يهدد السلام العالمي عند معظم الأوروبيين.

18- فلسطينيو الـ48: وباعتبار أن الشعب الفلسطيني كتلة واحدة لا تتجزأ، فإن تسليط الضوء على معاناة فلسطيني الـ48 والتواصل معهم وإقامة مشاريع مشتركة، يمكن أن ترفع من معنوياتهم وتظهر الفلسطينيين كلحمة واحدة.

19- لجان حق العودة في الغرب: يبقى أن نشير إلى أنّ على لجان حق العودة في الغرب مجهوداً مضاعفاً بسبب الانفتاح السياسي، ولأن في إظهار أبناء الشعب الفلسطيني في الغرب تمسّكهم بحق العودة كسراً لوجهة النظر الإسرائيلية الرامية إلى إظهار عدم اكتراث فلسطينيي الغرب بالعودة. وفي هذا السياق ندعو إلى تكثيف عقد المؤتمرات والملتقيات التي تجسّد الانتماء إلى الوطن.

ننهي هذا البحث، فنقول: إن الشعب الفلسطيني قد نجح في هزيمة الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على أن تشريد الشعب الفلسطيني في أصقاع العالم سيؤول إلى أن تصبح قضيته العادلة طيّ النسيان، فانقلب السحر على الساحر، وأضحى اختلاف الظروف الجيوسياسية لدى التجمعات الفلسطينية سبباً رئيسياً في خلق مساحات صالحة للعمل، ما رفع من نسبة نجاح أيّ خطة شاملة للتمسّك بهذا الحق.

مقال في كتاب «أوراق فلسطينية وعربية» – 2008 – تكريماً لرفعت صدقي النمر – تحرير د. أنيس صايغ
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى