لحظات تاريخية.. الحاجة إلى حوار فلسطيني كفيلة بإنعاشه

كلمة العودة: مجلة العودة – العدد الرابع عشر – السنة الثانية – تشرين الثاني (نوفمبر) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب
مع اختلاف دواعي رسم السياسات لكل الفاعلين والمؤثرين في مجريات الأحداث في الساحة الفلسطينية، يجد الجميع بالعموم أنفسهم في لحظة تاريخية. إنها لحظة بحاجة، قد تكون عند بعضهم ماسّة، إلى حوار فلسطيني يستمر وبسرعة، إلى أن يصل إلى وفاق أو توافق يغيّر من المشهد الفلسطيني العام، لكي يخرج الجميع، كل على مقاسه، من أزمته العامة والخاصة. وفي مرة نادرة، يكون المستفيد الأول من هذا الاتفاق، إذا أُبرم حقاً، الشعب الفلسطيني الذي دائماً كان الخاسر الأكبر من تناقضات محلية وإقليمية ودولية نتجت منها تطوّرات أتت على مكتسباته وعادت عليه بالمآسي.
من المفيد حقاً أن تكون الحاجة الرسمية المصرية كبيرة وملحّة للوصول إلى نتائج إيجابية من الحوار الفلسطيني. فتزحزح الوسيط المصري، قليلاً، ليقترب من موقع الوسط المفترض بين «فتح» و«حماس»، من شأنه أن يعجِّل في الوصول إلى نتائج ملموسة على صعيد احتواء الصراع الداخلي الفلسطيني. ذلك أنّ مصر الرسمية محرجة من استمرار حصار هي ضالعة حتى النخاع في فرضه على غزة وإطالة أمده. والقاهرة معنيّة بإظهار إنجاز في المنطقة يحافظ على مكانتها في موقع الريادة، وخاصة بعد نجاح دول أقل حجماً وأبعد مسافة عن بؤرة الصراع العربي الإسرائيلي، في قيادة وساطات فاعلة في ملفات شائكة استعصت على الحل العربي الجماعي، وليس المثال اللبناني عنّا ببعيد. ثم إنّ القيادة المصرية معنيّة كذلك باستمرار دورها الراعي لصفقة تبادل الأسرى المرتقبة بين «حماس» والكيان الصهيوني.
وعلاوة على ذلك كله، تجد القاهرة ذاتها في نقطة واحدة مع شركاء آخرين، هم الكيان الصهيوني والقوى الدولية وبعض الأطراف العربية، فضلاً عن جناح السلطة في رام الله، تتمثل في استحقاق التاسع من كانون الثاني (يناير) المقبل. فانتهاء ولاية الرئيس عباس دون توافق، يعني أنّه لا مجال للجزم بشرعية الرئاسة القابضة على أحد جناحي السلطة، والمنهمكة في مفاوضات ماراثونية تلقى تشجيعاً من محاور وتقاطعات إقليمية ودولية، تنتهي في واشنطن المشغولة الآن في الانتقال إلى إدارة جديدة ستحمل إرثاً ثقيلاً من أزمات الأسواق والحروب والتدخلات غير المحسوبة.
أما الجانب الإسرائيلي فيحتاج هو الآخر، فضلاً عن ذلك كلِّه، إلى مزيد من الهدوء على جبهة غزة المستعصية عليه، بصواريخها وجحافل مقاوميها. فالأوان هو لترتيب الأوراق الداخلية، بعد انهيارات القيادة الإسرائيلية وصعود تسيبي ليفني، بينما لا يزال شبح الانتخابات المبكرة قائماً.
وعندما يتم التوجّه إلى الحوار، يقتضي الأمر أن تخوض الأطراف الفلسطينية مراجعات ذاتية صريحة، كلّ على حدة. ومن ذلك خوض مراجعة ذاتية بشأن التمادي في رفض الحوار مع شريك الساحة الفلسطينية والاستغراق فيه مع العدوّ، بل وفي معاقله في القدس المحتلة. كما أنّ المقاومة لا يمكنها إلاّ أن تكسب من خوض حوار جاد محكوم بالمصالح العليا للشعب الفلسطيني وحقوقه وثوابته.
ثم إنّ الحصار الذي سقطت رهاناته هو باعث آخر على الحوار، بينما تبدو ملفات قديمة جديدة ملحّة أكثر من أي وقت مضى، ومنها بالأخص إعادة بناء منظمة التحرير على أسس تمثيلية صحيحة تستوعب الكلّ الفلسطيني وتمضي لتقود المشروع الوطني.
في كل الأحوال، فإنّ شعبنا الفلسطيني، وخاصة في الضفة وغزة، معنيّ جداً بأجواء الحوار المشبعة بآمال الوفاق. فالشعب هو المستفيد الأكبر من تقارب فلسطيني كهذا، وعليه أن يُعلي صوته لنبذ أية محاولات في الساحة الفلسطينية تستأنس بهواية التدمير الذاتي ولا يروقها نهج التوافق الداخلي.
تحسب كل الأحزاب والقوى في عديد الساحات حول العالم ألف حساب للمزاج الشعبي العام ومدى قربه منها أو بعده عنها، ولا ينبغي أن يكون الشعب الفلسطيني استثناءً. لذا فإنّ على الشعب الفلسطيني بغالبيته العظمى، التوّاق إلى الخروج من عنق الزجاجة في المشهد الفلسطيني الداخلي البائس، أن يغتنم هذه اللحظات التاريخية للضغط بقوة لمصلحة مرحلة جديدة، يتفرغ فيها الكلّ الفلسطيني لمقارعة المحتل، حيث الهدف الأسمى المُوصل إلى انتزاع الحقوق المشروعة، بدلاً من التخندق الداخلي، كلّ في مواجهة الآخر.
كلمة العودة: مجلة العودة – العدد الرابع عشر – السنة الثانية – تشرين الثاني (نوفمبر) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب




