المقالات

حصار وحصار

في الصميم: مجلة العودة – العدد الخامس عشر – السنة الثانية – كانون الأول (ديسمبر) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

لا يمكن أن ينكسر الحصار المفروض على غزة بشكل كامل من تلقاء نفسه، أو نتيجة كرم أخلاق من فارضي الحصار، وهم كثر. فعالم السياسة اللاأخلاقي بالعموم، لا يسمح بمثل هذا. فالمطلوب أن يرضخ الشعب الفلسطيني وممثلوه للإملاءات الأمريكية الغربية المخطوطة إسرائيلياً. وهكذا طال أمد الحصار. وبدا ما يمكن تعريفه بصراع الإرادات بين انتظار انهيار أهل غزة أو اقتناع أرباب الحصار بفشلهم في تحقيق مراميه. وبين هذا وذاك تمرّ المشاهد والأحداث.

إنّ فعلاً بحجم حصار دولي يحتاج لكسره، إلى القيام بأفعال بالأبعاد العالمية وغير العادية ذاتها، حتى تستطيع أن تحدث ثقوباً في جدار الحصار، سعياً لأن يتداعى شيئاً فشيئاً. ويساعد في تسريع هذا دخول لاعبين دوليين إلى جانب الشعب الفلسطيني في دعم صموده ومواجهة التجبّر العالمي. وهكذا كان، في بعض المناحي، بتكاتف مجموعات مناصرة للشعب الفلسطيني بالنجاح في كسر الحصار بحرياً من موانئ قبرص إلى شاطئ غزة. وتوالت الرحلات بعد ذلك، حتى وصلت سفينة السياسيين الغربيين، وعلى متنها أحد عشر برلمانياً، بما في ذلك من رمزية عالية لوجودهم، بل ولقائهم حكومة إسماعيل هنية، وزيارتهم للمستشفيات والمدارس، واطلاعهم على حقائق الأمور وتفاصيلها.

كما يُقال إن في الحركة بركة، والاشتغال في العمل للقضايا العادلة، ككسر الحصار عن غزة، من شأنه أن يكشف بعض الحقائق غير المعروفة، ويخلق فرصاً من الممكن أن تشكل فرجاً واختراقاً. فالمياه الدولية، مثلاً، لا سلطة لأحد عليها، ولا تحتاج إلى إذن للإبحار فيها. كذلك فإنَّ اعتبار حكومة الاحتلال نفسها منسحبة من غزة يقضي بالتالي بأنها منسحبة من مياهها الإقليمية. أي إنه لا وجود لحصار بحري حقيقي على قطاع غزة. وهذا الاكتشاف يُعدّ إنجازاً لهؤلاء الغربيين، الذين تكبّدوا عناء السفر عبر الأمواج بأخطاره، بما فيه خطر الموت.

على التوازي من ذلك؛ فإنّ الأطراف نفسها تقريباً التي تفرض الحصار على غزة؛ تتعامل مع حق عودة اللاجئين الفلسطينيين بطريقة يمكن اعتبارها حصاراً سياسياً، يحول دون رجوع الفلسطينيين إلى ديارهم. وهناك ما يمنح الانطباع بأنّ التعامل بإيجابية مع حق العودة هو في الحقل السياسي الدولي من المحرّمات. بل حتى عند بعض السياسيين الغربيين المتعاطفين مع القضية الفلسطينية، يجد المرء صعوبة في التعامل مع تطبيق حق العودة.

لكن أسوة بدروس كسر الحصار عن غزة، يكون من الواضح أنّ فك «الحصار» المفروض على حق العودة لا يتأتى بدون إجراءات ووسائل وأساليب غير عادية. ولذا؛ فلا بد من استحضار لاعبين في كل الأبعاد والدوائر، سواء العربية منها أو الإسلامية أو الدولية، بالمستويين الرسمي والشعبي. ولعلنا نعدّ الملتقى العربي والدولي لحق العودة، من ضمن التحركات التي تصبّ في كسر الحصار عن حق العودة، استلهاماً من الفلسفة نفسها.

بل ينبغي المضي إلى شوط أبعد. فلماذا لا يرتدّ الحصار في موضوع حق العودة إلى الإسرائيليين أنفسهم، من باب إبراز نقاط ضعف مشروعهم الاحتلالي في فلسطين، وضربه في مقتل، من خلال إنعاش حق العودة الفلسطيني وفرض المطالبة بتفعيله كحقيقة تصنع الحدث وتشكل الموقف؟!

ولماذا لا نطرح قانون العودة الإسرائيلي ونحاصرهم فيه، لكونه عنصرياً وغير قانوني؟! هناك الكثير مما ينبغي قوله في هذا الشأن، وخلاصة الأمر أنّ تحقيق اختراقات نوعية وإنجازات ملموسة في هذا الاتجاه وارد بقوة، ما دام قد توافرت الإرادة ولم ينضب الإبداع.

في الصميم: مجلة العودة – العدد الخامس عشر – السنة الثانية – كانون الأول (ديسمبر) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى