المقالات

فتحي التونسي.. يروي!

في الصميم: مجلة العودة – العدد الثالث عشر – السنة الثانية – تشرين الأول (أكتوبر) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

«لم أفعل شيئاً غير اعتيادي، لكننا للأسف، في زمان أضحت فيه تأدية الواجب بطولة، وتستدعي الثناء». كان هذا هو فحوى ردّ السيد فتحي الجوادي، على الترحيب الحارّ الذي قابلناه فيه لحظة دخوله مكتب مركز العودة في لندن زائراً. كان ذلك تعليقاً منه على كيلنا المديح الشديد له على مشاركته في رحلة كسر الحصار البحرية الأولى الشهيرة، التي نجحت في أن تصل إلى شواطئ القطاع في الثالث والعشرين من شهر آب (أغسطس) الماضي، وعلى متنها أربع وأربعون شخصية من جنسيات مختلفة، موزّعون على سفينتين.

يفخر فتحي التونسي بالإنجاز التاريخي. فهو مفعم بحبِّ فلسطين، ولا يكاد يصدق حتى بعد رجوعه أنه ورفقاءه من مناصري الحق والعدل ورفع الظلم عن المقهورين قد فعلوها. كم هو متيّم بكرم ضيافة أهل غزة وصبرهم وقفزهم على الآلام رغم الحصار. هو مغمور بسعادة واضحة وهو يلوِّح بيده بجواز السفر الفلسطيني الذي منحه إياه ومن معه السيد إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني. يبهر محدثه بتواضع لافت مقرون بطبيعة خجولة وابتسامة لا تفارق محيّاه.

اندهش ممّا رأى من نظافة شوارع غزة مع وجود الحصار الخانق. ولاحظ وأصحابه الأمن المستتب، الذي يجعل الناس يتحركون بحرية مطلقة. وتحدث عن نموذج رائع للتكافل الاجتماعي يستحقّ التسجيل، ترك أثره في انعدام وجود متسوِّلين في شوارع غزة. وكل ذلك مختلط بمعنويات عالية لكلِّ من قابلهم خلال خمسة أيام قضاها في السجن الكبير. الغزيّون من وجهة نظره يحبّون الحياة حال غيرهم من الشعوب، وقد روى مشاعر الفتى سائد ابن الستة عشر ربيعاً، الفاقد لإحدى ساقيه، والمصاحب للوفد في طريق العودة للعلاج، والذي عبّر عن رغبته في لعب الكرة من جديد.

الرحلة مستقلّة منذ فكرتها الأولى. جاءت من شخصية أمريكية. استمر الإعداد قرابة سنتين. جُمعت أموالها على مدار أشهر. كان لا بد من شراء السفينتين، فهما الآن مملوكتان لمجموعة « غزة حرّة» ، ذلك لصعوبة استئجار سفن نظراً لخوف أصحابها أو تردّدهم من تدميرها من قبل البحرية الحربية الإسرائيلية. ثمنهما يقرب من ربع مليون دولار. عملوا دون كلل ولا ملل لإنجاح الرحلة التاريخية. شخصيات محترمة وذات وزن؛ تركت أعمالها وتفرغت رغم علمها بأنّ الرحلة قد تطول.

كثيرة هي العوامل المثبطة والمخذّلة التي كان أيّ منها كفيلاً بعدم المضي في الرحلة. أغربها وأصعبها؛ عدم تعاون سفارتي فلسطين في اليونان وقبرص مع مناصري فلسطين من الغربيين. حدث ذلك بالرغم من مبادرة هؤلاء بالاتصال ومحاولة التواصل مع السفيرين. وانسجم موقف المحسوبين على «سلطة رام الله» في غزة مع السفارتين. وكأنّ المناصرين يقترفون إثماً أو يرتكبون جريمة في محاولة كسر الحصار. وطالما وصلت تحذيرات بطرق مختلفة بعدم الاتصال مع «الحكومة الحمساوية»، حتى لا تُحسب الرحلة عليها أو أن يوصموا بـ«الإرهاب».

فعل الإسرائيليون المستحيل لإرهابهم وتخويفهم، بل وتهديدهم بشكل مباشر وغير مباشر. رسائل عبر الجوالات: «نتمنى أنكم تجيدون السباحة». رسالة أخرى لزوج متضامنة: «ودّع زوجتك»، وثالثة عبر القبارصة بأنّ مناورة بحرية إسرائيلية أمريكية تركية بالذخيرة الحيّة تجري يوم إبحار السفينتين. ثم جاء قطع الاتصالات عن كل هواتف الجوال المحمولة مع المتضامنين. لم يكن الأمر سهلاً، خاصة قبل ساعات من وصولهم لغزة. فالكلّ دون استثناء أصابهم إعياء شديد. لم يَبقَ منهم أحد إلاّ تقيّأ. أما شعور الغرق والموت الوشيك فكان حاضراً.

عاشوا حالة تضامن وتعاضد وتلاحم نادرة. اتخذوا قراراً بعدم الإبحار إلاّ بقرار جماعي، وأن لا يُجبَر أحد أو يرغَم على المضيّ. وكانت اللحظة الحاسمة في المضيّ من عدمه، وحينها عبّر كلّ عن موقفه، وكان لزاماً أن يتحدث الجميع. فتعاهدوا على المضيّ وعدم الرجوع. وتمسكوا بالإبحار في اتجاه واحد، رغم أنّ سيناريو الوصول كان الأقلّ حظاً في سلّم التوقعات مع استحضار تهديدات ضرب السفينتين في عرض البحر وإغراقهما بمن عليهما. فاضت دموع غزيرة وهم يعبِّرون عن مشاعرهم. كل ذلك القلق والترقّب والتعب والإعياء زال في اللحظة الأولى لصعود أول غزيّ على متن السفينة الأولى، التي وصلت إلى الشاطئ المحاصَر.

مواقف لا تُنسَى لأناس ودول كان لهم دورٌ متميّز في إسناد الرحلة. موقف حكومتَي قبرص واليونان اللتين رفضتا كل الضغوط لثني المتضامنين عن الإبحار. والتغطية الإعلامية المتميزة في الدولتين والمتعاطفة مع الرحلة. بل السهر اليومي على أمن السفينتين من قبل حكومة قبرص. لقد بلغ الأمر حدّ الغوص اليومي تحت السفينتين لئلا تُلغّما، فالكلّ يستحضر ما جرى لـ«سفينة العودة» من تفجير قبل عقدين من الزمن. وأخيراً جاء موقف السيدة الفلسطينية نورا الشوا، التي رعت وجود المناصرين في قبرص على حسابها وفي بيتها طوال وجودهم، حتى أنهم رأوها تستحق موقع «السفير»، عوضاً عمّن تنكّر لحق تمثيل فلسطين.

لم تنتهِ حكاية تضامنهم بالوصول إلى شواطئ فلسطين. بل كانت البداية في تحويل الفعل إلى مؤسسة دولية لرفع الحصار والتضامن مع غزة. مؤسسة قائمة على علاقة وجدانية تولّدت بينهم كبشر عاشوا تجربة العمر. علاقة مستمدّة الروح من رد الفعل المحلي لأهل غزة وفلسطين في رفع معنوياتهم، وكذلك من حال استنهاض التضامن الإقليمي والدولي مع المظلومين في غزة. إنه التضامن الذي اتخذ من هذه الرحلة نموذجاً يُحتذى. هي روح بدأت تتحرك بفعل مماثل، تجسد في شراكة بين الحملة الأوروبية لرفع الحصار، وحملة «غزة حرة»، ودخل حيِّز التنفيذ الفوري في الرحلة الثانية.

في الصميم: مجلة العودة – العدد الثالث عشر – السنة الثانية – تشرين الأول (أكتوبر) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى