أوهن من بيت العنكبوت

في الصميم: مجلة العودة – العدد التاسع – السنة الأولى – حزيران (يونيو) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب
الدلالات عديدة على أنّ الدولة العبرية تعيش أزمة وجود بعد ستين سنة من الصراع العربي الصهيوني، وأنّ الأمور آيلة فيها إلى زوال قريب. ومن الواضح أنّ حالة العداء لذلك السرطان المزروع في قلب العالم العربي والإسلامي لم يكن في أوجّه خلال العقود الستة التي خلت؛ كما هو في مثل هذه الأيام.
وكل المحاولات التي بُذلت لإفراغ القضية من عناصر قوّتها لغرض تمكين هذه الدولة من البقاء قد فشلت.
ويأتي تحجيم القضية إلى الإطار الفلسطيني الضيِّق، وإفقادها بُعدها العربي والإسلامي؛ من أبرز تلك المحاولات الفاشلة.
قُدِّر لي أن أشارك عشية الخامس عشر من أيار (مايو) الجاري، في أمسية تلفزيونية امتدت ساعتين من الزمن، مع قناة «الرسالة» الفضائية، ذات التمويل السعودي، في دولة الكويت. وكانت استهلالاً لحلقات يومية تحمل العنوان «نحن أقوى.. نحن أبقى»، تمتد شهراً كاملاً إحياء للذكرى الستين لنكبة فلسطين. وقدّم تلك الحلقة الدكتور طارق السويدان من الكويت، وشارك فيها الدكتور عصام البشير من السودان، والدكتور علي بادحدح من السعودية. وتدخّل عبر الهاتف العديد من الشخصيات والأفراد رجالاً ونساء من المغرب وليبيا والأردن وأوروبا. لقد أجمع فيها من أعدّ وقدّم وشارك؛ على أنّ التحدي مع العدو الصهيوني قائم، والأمل بعودة الحق لأصحابه في أقوى حالاته. وفاضت قريحة الجميع بالتعبير عن ما يجيش بخواطرهم، ويؤمنون به تجاه فلسطين وشعبها. وقد لفت نظري تأكيد أخوة العروبة والإسلام بأنّ القضية الفلسطينية لا تخصّ الفلسطينيين وحدهم، وزاد الدكتور البشير بأنهم، أي الفلسطينيين، لا يحق لهم التنازل عن الأرض حتى إن أرادوا.
لم يكن ذلك كل المشهد في تلك الرحلة، والذي تعضد القناعة والإيمان بما تقدم من أزمة الكيان الصهيوني. فقد اصطحبني أحد زملاء مقاعد الدراسة المتوسطة، في «مدرسة الحريري» الكائنة في ضاحية حوَلّي بمدينة الكويت، لزيارة الدكتور ناصر الصانع. الذي استقبلنا في بيته، للتشاور في بعض هموم الشعب الفلسطيني. وبالرغم من انشغاله الشديد في حملته الانتخابية قبل يومين من الاقتراع على عضوية مجلس الأمة، والذي عدّه المراقبون الأقوى منذ تأسيس الدولة، فلمست منه ما لفلسطين من مكانة في قلبه وعقله، وكيف أنه يتابع أدقّ التفاصيل في الساحة الفلسطينية.
وأتابع مع تلك الرحلة أيضاً وفي اليوم التالي، وأثناء الانطلاق لأداء صلاة الجمعة، مع زميل جامعي هذه المرة. إنه الأكاديمي الدكتور إبراهيم مهنا. حيث استوقفني، وأثناء تجاذب أطراف الحديث ملفتاً نظري إلى عبارة مطبوعة على سيارة أمريكية الصنع كبيرة الحجم حديثة الطراز، يبدو على صاحبها آثار نعمة الله عليه «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت». ولم يكتف صاحب السيارة بذلك، بل أضاف جملة باللغة الإنجليزية هي نصاً «No Normlization With Israel» أي، «لا تطبيع مع إسرائيل». يزيد من أهمية مبادرة صاحب السيارة، صغر حجم البلاد التي تنتشر فيها بعض قواعد الجيش الأمريكي وجنوده، والتي لا تُعتبر الكويت نشازاً لوجودها، بل تشاطرها في ذلك دول عربية عديدة في المنطقة القريبة والبعيدة، وكله في عداد المرفوض. حرصنا أن نسرع قليلاً لكي نرى سائق السيارة، فإذا به شاب في مقتبل العمر، معتدّ بنفسه، فأشرنا إليه بالتحية، فرد بسموّ خلق، وكأنه يعرف سبب استحقاقه لها!
وختام المشاهد خطيب جمعة ذلك اليوم، الذي خصّص حديثه للمصلين الذين ملؤوا المسجد وساحاته الداخلية والخارجية، لذكرى نكبة فلسطين، وما ألمّ بالأمة من ضياع تلك البقة الغالية. وعدّد واجبات المسلمين نحو القضية، وضرورة عدم التقاعس عن نصرتها والوقوف إلى جانب أهلها.
أعتقد أن كل أرجاء العالم العربي والإسلامي فيها من مئات الإشارت التي تُحاكي ما أسفلنا بذكره. ولا يحتاج كل ذي أفق، مهما كان محدوداً، أن يستخلص العبَر مما تقدّم، فأزمة هذا الكيان، واهي العرى، كما وصفته عبارة ذلك الشاب؛ هي أكبر من أن ينتشله منها الرئيس الأمريكي بوش بعبارات الدعم اللامحدود ووعود البقاء الحالمة على الخارطة عقوداً أخرى.
في الصميم: مجلة العودة – العدد التاسع – السنة الأولى – حزيران (يونيو) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب




