المقالات

عمارة غزة في تركيا

في الصميم: مجلة العودة – العدد العاشر – السنة الأولى – تموز (يوليو) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

يستقبلونك ببشاشة وجه وترحاب منذ أن تطأ قدماك العتبة الأولى للعمارة. منتشرون في كل أرجائها، رغم أنّ الساعة قد قاربت منتصف تلك الليلة. يجلس أحدهم بالقرب من البوابة الرئيسية مهاتفاً أهله الذين تركهم خلفه. إحدى علامات فرحهم أنّ الهاتف قد رُكِّب حديثاً. والكلّ يستطيعون التواصل مع أحبّة خلفهم وراءه يلاقون مصير الحصار. هم عشرات الغزيين الذين ساقتهم الأقدار بعد معاناة إلى مستشفيات مدينة إسطنبول التركية، لكي تُجرى محاولات طبية لعلاج ما بقي من أجسامهم.

وقد رتّب أهل الخير على عجل منزلاً لمن انتفى سبب وجوده في المستشفى، ولو مؤقتاً.

عمارة سكنية في منطقة شعبية في إحدى ضواحي إسطنبول، ترتفع في السماء بخمس طبقات. كل منها مقسّم إلى شقتين، بمعدل غرفتين للواحدة. يرقد في كل منها ثلاثة أبطال، أو ربما أخوات الرجال. فهناك جريحات أيضاً لهنّ شقة خاصة.

لكلّ منهم حكاية جرحه الخاصة. وتتنوّع الإصابات وعمقها الواضح عند بعضهم إلى حد الذهول والصدمة لزائرهم. ويعكس كل ذلك بشاعة ذلك المحتل ووحشيته، التي تضرب شعباً أعزل ومحاصراً، بشتى أنواع الأسلحة. أجساد هزيلة تُحال إلى أشلاء، ومن كُتبت له أو لها البقاء يصعب عليه، بل يستحيل على بعضهم، إكمال باقي الحياة كغيرهم من البشر، وهو حال غزيِّي إسطنبول أيضاً.

هل نبدأ بقصة مها أبو الهطل؟ فالحامل في أشهرها الأخيرة، التي جاءها الصاروخ الأمريكي الإسرائيلي وهي تنشر ملابس أطفالها؛ كان معها أيضاً ابن أخي زوجها، ذو الأربعة عشر ربيعاً، فإذا بها تفقد ساقها، ويفقد الصبي ساقيه. وتعاني مها لاحقاً آلام المخاض في إسطنبول. وصادف وجودنا استدعاء سيارة الإسعاف لكي تنقلها إلى المستشفى، في إحدى نوبات الألم المتكررة.

أم نتحدث عن محمد القهوجي وجهاد أبو زيادة؟ لقد فقدا بصريهما بشكل تام أو جزئي، وغابت ذاكرة محمد مع بصره، بعد أن كانت حيّة بحفظ القرآن، وهو الذي كان يتغنّى بتلاوته إماماً للمصلين. أما عز الدين البنا، وأسامة سلامة، فسيلازمان الفراش بشلل نصفي. وأخيراً حرب صيام، الذي فقد ساقه، واستُشهد خمسة من الأبطال محاولين إنقاذه، فنجا.. وقضَوْا!

جمعتني تلك الزيارة، على غير موعد، مع إخوة من الصومال وتونس والعراق، شكّلنا سوياً وفداً لنزور الجرحى، بصحبة راعي المشروع الخيري لاستضافة الجرحى، الأخ تحسين متولي، رئيس الجمعية التركية للتضامن مع فلسطين، بالتعاون مع وقف الإغاثة الإنسانية. كنّا وقتها ممثلين عن «اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا»، الذي تمثل فلسطين شاغلاً له، ولا يتردّد عن نصرة أهلها صباح مساء، معبِّراً في ذلك عن التزام راسخ من جانب مسلمي أوروبا بدعم الحقوق الفلسطينية. وأتشرّف بأن أكون عضواً مراقباً دائماً في هذا الصرح. وبالعودة للوفد؛ فقد عبّرت الروح الجماعية التي سادت خلاله عن أنّ العالم العربي والإسلامي، بشعوبه وطاقاته ومؤسساته الأهلية، بإمكانه أن يقدِّم الكثير لأهل فلسطين، وأن يبدع في نصرتهم. وحال عمارة غزة في تركيا تمثل نموذجاً رائداً لما يمكن أن تحدثه وسائل الدعم من تغيير، ولو جزئياً، في المعادلة.

أكثر من هذا؛ فإنّ تواصل شعب فلسطين مع شعوب العالم العربي والإسلامي؛ يحقق معاني لا يمكن نقلها كما هي إلى أبناء الأمة، وتعريفهم بحقيقة ما يجرى في الداخل. سيتحقق الجميع من أنّ الاحتلال وجرائمه فوق الوصف، وأنّ التضحيات والخسائر فوق أن تُرصد من بعيد، إلا أن تُرى عن قرب. يكفى أنّ أربعتنا أجمعنا بعد انقضاء تلك الزيارة على أنها تجربة فريدة في العمر، فما كان من أعضاء الهيئة العمومية لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا؛ إلاّ أن زاروا أبطال غزة في اليوم التالي، في وفد عريض ضمّ عشرين قيادياً على مستوى القارة الأوروبية.

رفع الروح المعنوية المتبادلة بين الجرحى والزائرين في الوقت نفسه؛ هي حصيلة أكيدة لمثل هذه المشاريع الخيرية. وهي مجدية كذلك لفهم الكيفية التي صمد بها الشعب الفلسطيني طوال العقود الماضية، والوقوف على طبيعة جراحه ومشاعره وكيف يفكر، واستشراف المستقبل بأنّ مآلات هذا الصراع محسومة لأصحاب الحق، الذين يعضّون على ألم جراحهم، ويصمدون في وجه المحتل.

ولعلّ في إنجاب مها أبو الهطل لمولود سمّته « محمد الفاتح» ، ولزواج حرب صيام اللاحق لإصابته وإنجابه لطفل؛ لما يأتي بالدليل تلو الآخر على حيوية هذا الشعب، وقفزه على آلامه، مواصلاً مسيرة ستكلّل بإذن الله بالتحرير والعودة.

في الصميم: مجلة العودة – العدد العاشر – السنة الأولى – تموز (يوليو) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى