«وثيقة برلين» للتمسك بحق العودة

جريدة الحياة – 4 حزيران (يونيو) 2004
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب
«وثيقة برلين» للتمسك بحق العودة.. ردٌّ عمليٌّ على «وثيقة جنيف»
في ظاهرة هي الأولى من نوعها على الساحة الأوروبية، احتشد أكثر من ألفي فلسطيني
تقاطروا من أكثر من 25 دولة أوروبية إلى العاصمة الألمانية في مؤتمر جماهيري نظمه «مركز
العودة الفلسطيني»، الذي يتخذ من لندن مقرّاً له، والجالية الفلسطينيّة في برلين
في 15 أيار (مايو) الماضي، في الذكرى الـسادسة والخمسين للنكبة وتأكيداً على
التمسّك بحق العودة وعدم التفريط فيه وعدم تفويض أحد بالتنازل عنه. ودعي للتحدّث
فيه ضيوف من دول عدّة منهم جمال الشاتي رئيس لجنة اللاجئين في المجلس التشريعي
الفلسطيني، وخالد الترعاني مدير المؤسسة الإسلامية «القدس» ومقرّها واشنطن، وصلاح
صلاح رئيس لجنة اللاجئين في المجلس الوطني الفلسطيني، وعزمي بشارة القيادي
الفلسطيني من عرب الداخل، إضافة إلى محمد خليل عقل النائب في البرلمان الأردني عن
مخيّم البقعة.
وصدرت عن المؤتمر “وثيقة برلين” للتمسّك بحقّ العودة. ويبقى السّؤال: في أيّ
سياق يمكن أن يُقرأ هذا المؤتمر وهل من تأثير على الصعيد السياسي لانعقاده؟ وما
القدرة على تنفيذ بنود الوثيقة التي صدرت منه؟ لعلّ أبلغ رسالة خرجت عن هذا
التجمّع الضخم هي التي وجهت إلى أبناء الشعب الفلسطيني تحت نير الاحتلال بأن
إخوانهم في أنحاء العالم يعيشون معهم بأرواحهم ويكمّلون دورهم في التمسّك بالحقوق
كلٌّ من ساحته وكلٌّ بأقصى ما عنده من إمكانات. وهي رسالة دعم سياسيّة وإعلاميّة
ومعنويّة بل وخيريّة. وأكّد كلّ من حضر دعم أبطال الشعب الفلسطيني الذين يقبعون في
سجون الاحتلال ويلاقون صنوف العذاب.
كما أنّ أبرز ما ميّز مؤتمر برلين رسالة الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة التي عبّر عنها
بأقوى صورها في كلّ أعمال المؤتمر. فعلى رغم ان الصفة الشخصيّة لطبيعة الحضور
والصفة الشعبيّة للمؤسّسات المشاركة، إلاّ أنّه لا يمكن إنكار أن الشعب الفلسطيني
بالمجمل مسيّس ولكلّ هويّته التي يزن الأحداث بها ويحدّد موقفه بناء عليها. وبنظرة
سريعة استكشافيّة للحضور ولكلمات المتحدّثين نجد أن كلّ الطيف السياسي الفلسطيني
من اقصى اليمين إلى أقصى اليسار مع الغالبيّة المستقلّة شارك في المؤتمر إمّا بصفة
منظّم أو ضيف أو ممثل عن مؤسّسة أو تجمّع في هذا البلد أو ذاك. والكلّ انسجم
وانتظم تحت مظلّة الدفاع عن حقّ العودة. بل وأكثر من هذا حيث توحّدت رسالة الرسميِّ
الفلسطينيّ والجهات الشعبيّة في الشكل والمضمون في التأكيد على التمسّك بحقّ
العودة وعدم التفريط فيه.
واستطراداً في هذا المجال شكّل «مؤتمر برلين» منتدى مفتوحاً لأبناء الشعب الفلسطيني في القارة
الأوروبيّة لتحقيق مزيد من التعارف والتواصل والتآلف في ديار الغربة، وساهم في
تكوين علاقات اجتماعيّة على الصعيد الفردي وإقامة علاقات تنسيقيّة على مستوى
المؤسّسات إن في شكل ثنائي أو جماعي على المستوى المناطقي أو القاري، مما وفّر
مظلّة في غاية الأهمية أكد الجميع ضرورة استمرارها. ومن جهة ثانية كان للتنوّع
الجغرافي لبلد القدوم أثر مهم، اذ مثّل مجمل من حضر الغالبيّة الساحقة لنحو تسعة
ملايين فلسطيني موزّعين في أنحاء العالم. فعرب الداخل الذين حاول الكيان الصهيوني
طمس هويّتهم الفلسطينيّة كانوا حاضرين عبر عزمي بشارة وغيره، في إشارة إلى أن
فلسطينيي الداخل جزء لا يتجزّأ من لحمة الشعب الفلسطيني غير القابلة للتقسيم وأن
المخطط الرامي إلى تفتيت أواصر هذا الشعب باء بالفشل، إذ بعد نحو ستة عقود ما زال
الشعب الفلسطيني كتلة واحدة لم ولن تتجزّأ.
وطبيعة هذا الحشد غير المسبوق في تاريخ وجود الجالية الفلسطينيّة في أوروبا يمثّل ضربة
حقيقية للفكرة الصهيونية التي تحاول تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين بإبعادهم عن
الجغرافيا الفلسطينيّة بكل السبل، بعدما حازت هذه النظرة الصهيونية على الدعم الغربي،
الذي تمثّل بأوضح صوره في «خريطة الطريق»، ولاحقاً بـ«وعد بوش» المشؤوم، والرهان
على ذوبان هذا الشعب في المجتمعات التي يعيش فيها وغياب هويّته الفلسطينيّة
العربيّة الإسلاميّة.
من هنا تمثّلت الرسالة السياسيّة القويّة لهذا المؤتمر بانعقاده وبهذا الحجم
وبالمضامين القويّة للوثيقة الصادرة عنه ما مثّل ردّاً ناجعاً على كل هؤلاء ومن
سار في فلكهم من أفراد محسوبين على الفلسطينيين إن لجهة التوقيت أو التنظيم أو الجغرافيا أو صفة الحضور. وبهذا يكون
الردّ الفلسطيني بأنّ انعقاد مثل هذا المؤتمر وفي ذكرى النكبة وفي عاصمة غربيّة هو
البرهان على أن من يراهن على تدجين الشعب الفلسطيني لجهة التخلّي عن الحقوق واهم.
ولا يمكن تناول مؤتمر برلين في معزل عن حراك مجاميع أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف
المناطق خصوصاً في مخيّمات اللجوء منذ نكبة فلسطين في تأكيدهم على حقهم بالعودة،
وازدادت وتيرة هذه الأنشطة بعد توقيع اتفاق أوسلو، شعوراً منهم بالأخطار التي
تضمنها في قفزه على حقوق الشعب الفلسطيني وبخاصة حق العودة. وأخذت هذه التحرّكات
في التبلور على شكل لجان عمل ومجموعات تنسيقيّة في الداخل والخارج مرتبطة بحق
العودة.
وازدادت هذه الحركة تنظيماً بعدما تجرّأ أفراد من المحسوبين على الشعب الفلسطيني على
الإعلان على عدم واقعيّة حق العودة واعتبره الفلسطينيون تخلياً وتراجعاً عن
الثوابت وعلى رأسها حقّ العودة.
وعليه فإنّ صدور «وثيقة برلين للتمسّك بحق العودة» عن تجمع بهذا الحشد يعدّ حدثاً
تاريخياً ورفعاً للغطاء عمن يدّعون تمثيل الشعب والذين حاولوا زوراً الادعاء بأنّ
الرأي العام الفلسطيني معهم أو في حدّ أدنى قادرون على ترويج بضاعتهم على أبناء
المخيّمات. وفي هذا المقام دائماً ما يكون السّجال السياسي محتدماً في القضايا
المصيريّة حول رجوح كفّة الرأي العام لمصلحة أحد الطرفين وكلّ يدعي وصلاً بليلى. إلا
أنّ العِبرة بالأفعال، فمجرّد خروج 2000 فلسطيني من بيوتهم ومن دول مختلفة إلى
مؤتمر أعلن عن نفسه بشكل واضح، وأفصح عن هويّته لجهة الانحياز الكامل للحقوق
الثابتة، تعبير حقيقي موضوعي لو قيس بناء على علم الإحصاء عن رأي عام شامل لهذه
القضيّة، إذا أخذنا في الاعتبار أن تقديرات تعداد الفلسطينيين في أوروبا تراوح بين
150 و200 ألف نسمة. وبذلك فإنّ الألفي فلسطيني بما يمثّلون من عائلات ومؤسّسات
يتبعها أفراد هم في حقيقة الأمر عشرات الآلاف. بمعنى أن الشعب بالمطلق مع الحقّ
الفلسطيني غير القابل للتصرّف بحجة الواقعيّة والعقلانيّة.
وأثبت مؤتمر برلين أن المجهود الشعبي إذا ما حسن تنظيمه وتكتيله ممكن أن يسمع صوت الشعب
وأن يرفع من سقف المستوى الرسمي لجهة المطالبة بالحقوق. ولعلّ حضور عبدالله
الافرنجي مدير مكتب المنظّمة وإلقاء كلمة أكّد فيها الثوابت الفلسطينيّة وعلى
رأسها حقّ العودة يمثّل إعلاناً عن ابتعاده سياسيّاً وتنصّله من كلّ من حضر مؤتمر
جنيف من مسؤولين أو أنصاف مسؤولين، وهذا في حد ذاته خطوة مهمة وإشارة إلى أهمية
استمرار المؤتمرات الشعبيّة في كلّ مكان ينتشر فيه أبناء الشعب الفلسطيني.
وانتقل المؤتمرون خطوة إلى الأمام بتوقيعهم خطياً وثيقة نصّت على تمسّكهم بحقهم في العودة
إلى البلدات التي هجّروا منها وعلى عدم تفويضهم لأحد بالتنازل عن هذا الحقّ،
ورفضهم لأي مشاريع توطين بديلة. وفي هذا إشارة واضحة إلى أن الجميع على وعي تام
بالخطر المحدق بالحقوق وهم أيضاً في طور عزل كلّ الأصوات الفلسطينيّة التي تدّعي
تمثيل الشعب في موضوع التخلّي عن الحقوق والقفز على الثوابت.
وعبّرت وثيقة برلين التي اعتبرها كلّ من حضر «تاريخيّة» بواقعيّة وموضوعيّة عن طرق
التمسّك بالحقوق وأكّدت ضرورة تبنّي برامج عمليّة يمكن أن ترفع من السقف السياسي
للرسميّين الفلسطينيين – لو أرادوا – وترفع الغطاء في الوقت نفسه عن مروّجي
التسوية التفريطيّة بالحقوق الفلسطينيّة. اذ تعاملت الوثيقة ببعدها السياسي مع كلّ
مضامين ونقاط الضعف في وثيقة جنيف لجهة رفضها، وأكّدت أنّ العودة يجب أن تكون
كاملة إلى القرية والمدينة نفسها التي هجّر منها الفلسطيني وأن العودة حقّ شخصي وجماعي
لا تجوز فيه النيابة ولا التمثيل، ولا يسقط بالتقادم ولا ينتقص أو يتأثّر بإقامة
دولة على أيّ جزء من أرض فلسطين. والمؤتمرون بذلك يشيرون إلى رفض العودة الجزئيّة
إلى مناطق السّلطة أو العودة الفرديّة للجيل الأوّل كما أشارت إلى ذلك «وثيقة جنيف».
وفي إشارة مهمّة إلى الرئيس ياسر عرفات حيّت الوثيقة صموده مربوطاً بتمسّكه بالحقوق
الفلسطينيّة. وهذا يعني أنّ الارتباط ليس بالشخص وإنّما بالمبدأ فإذا حاد الشخص أو
جماعة سياسية عن الحقوق رُفع عنهم الغطاء السياسي والشعبي كائناً من كانوا.
وفي إطار البرامج العمليّة وتفعيل أنشطة التمسّك بحقّ العودة نصّت الوثيقة على أهمية
رفع مستوى التنسيق والتعاون بين المؤسّسات العاملة داخل الوطن وخارجه وإلى
الاهتمام بالأجيال الجديدة وتكريس ثقافة حقّ العودة.
ومن جهة ثانية أفردت الوثيقة بنداً كاملاً لتأكيد دعم صمود فلسطينيي 1948 وأهمية دورهم
الطليعي في تثبيت الهوية والحقوق الفلسطينيّة. كما أشارت إلى أهمية أن تضطلع
الحكومات العربيّة وجامعة الدول بالدور الوطني في تثبيت الحقوق المشروعة للشعب
ورفض المبادرات المطروحة.
ماجرى في برلين دليل على أن المشروع الصهيوني على أرض فلسطين لم ينجح في تحقيق أهمّ غاياته
الاستراتيجيّة في محو الذاكرة الفلسطينيّة وعزل أبناء الشتات الفلسطيني عن قضيّتهم
وتغييب الحقائق ومفردات الصراع من عقول الأجيال اللاحقة. فبعد ما يقرب من ستة عقود
ما زال الشعب الفلسطيني أينما حلَّ أكثر تمسّكاً بالحقوق وأكثر وعياً بما يتوجّب
عليه في طريق دحر الاحتلال والعودة إلى وطنه، وأن ذلك يمثّل بالنسبة إليه حقيقة
حتميّة واقعة الحدوث وإن طال الزمان.
جريدة الحياة – 4 حزيران (يونيو) 2004




