المقالات

عندما تنتفض الشعوب!!


في الصميم: مجلة العودة – العدد الثاني – السنة الأولى – تشرين الثاني (نوفمبر) 2007
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

مرت الذكرى السابعة لانتفاضة الأقصى المباركة من دون أن تأخذ ما تستحق من الإحياء والتكريم. ولا يبرر هذا التقصير التطوراتُ الجسيمة التي تمر بها القضية الفلسطينية من قبيل الانقسام الحاد في الصف الفلسطيني..

فالمكاسب الكبيرة الاستراتيجية التي سجّلتها الانتفاضة المباركة مثّلت منحنى مهماً في طريق استعادة الحقوق. وأعطت الانتفاضة مؤشرات واضحة على مآل الصراع مع العدو الصهيوني، بأنه محسوم لصالح استعادة الأرض ورجوع الشعب لدياره، ما يستحق دائماً الوقوف لاستذكار دروسها والتأكيد عليها.

لقد أسهمت انتفاضة الأقصى في إيجاد حالة نهوض في جسم الشعب الفلسطيني، وعبّر الشعب عن وحدته في داخل الوطن وخارجه، وجسدت فعاليات الانتفاضة المشتركة في الشارع ما عزّز هذا. وأوجدت الانتفاضة مدرسة تربوية للأجيال الجديدة وعلمتهم أبجدية الصراع وماهية المفردات الحقيقية للقضية. وكان لدعم فلسطينيي 48 للانتفاضة دور في تسليط الضوء على قضيتهم، وإثبات أنهم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني الواحد.

كما شكلت الانتفاضة رافعة للعمل الوطني الفلسطيني لدى فلسطينيي الخارج، وجسّرت بينهم وبين إخوانهم في الداخل، مما دفعهم إلى المزيد من التأطير للعمل المؤسسي الذي يرسّخ الفعل الدائم والاستراتيجي لدعم صمود الشعب الفلسطيني في الداخل.

وللانتفاضة فضل في إيجاد صور نادرة في التضحية والفداء. وهي التي قدّمت نماذج من القيادات قضت دفاعاً عن أرضها ومبادئها. وتلك التي تقبع في سجون المحتل الجلاد للغرض ذاته. وأمهات وآباء قدّموا فلذات أكبادهم الواحد تلو الآخر. أو أطفال أصبحوا نجوماً تضيء سماء العالم العربي والإسلامي لعِظم ما سطّروا من قصص ندرت في التاريخ. ومن الأهداف التي حققها الشعب أيضاً، الرجوع الجماعي إلى فتح كل الخيارات في الصراع العربي الصهيوني ومن أهمها الكفاح المسلح المشروع في القانون الدولي وتسابق الفصائل في تسجيل نقاط في إيلام المحتل وإشغاله من جديد. ونعتقد أن هذا هو العامل الأهم الذي دفع المحتل إلى الهروب من جحيم قطاع غزة. وصعبت الانتفاضة بالتالي المهمة على عرّابي التسوية في الساحة الفلسطينية. ونقصد هنا أصحاب اتفاق أوسلو الذين لا يرون سبيلاً سوى طاولة المفاوضات حلاً للقضية. وخرّبوا أيما خراب بهذه الرؤية التراجعية.

وكشفت انتفاضة الشعب الفلسطيني الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني أمام الرأي العام العالمي. فكان القتل والتدمير والتخريب الذي يصعب إخفاؤه أمام الإعلام المفتوح والفضائيات التي تتسابق على نقل الخبر لحظة وقوعه. ومثّل انتخاب شارون رئيساً لوزراء الكيان الصهيوني ذروة الإجرام.

 وبيّن أن الوحشية ليست مقصورة على بعض قادة الجيش وجنوده بل هي متجذرة في كافة قطاعات العصابات الصهيونية التي تسكن أرض فلسطين.

يكفي أن جوائز أفضل صور في غير مناسبة عالمية كانت تحصدها الانتفاضة. وكذا لم تجد محكمة العدل الدولية بدّاً من تجريم جدار العزل العنصري الذي ضربه المحتل في الضفة الغربية.

ومن ناحية ثانية، خلقت انتفاضة الأقصى تعاطفاً مع الشعب الفلسطيني في المحيط العربي والإسلامي وتعدّاه إلى العالم أجمع، وولّد هذا برامج عملية دائمة لدعم صموده، سواء كان ذلك مادياً مباشراً أو سياسياً أو إعلامياً، مما شكل حالة صعود في مواجهة المشروع الصهيوني في العالم، وعرف العالم الأبعاد الحقيقة للقضية وأهمها قضية اللاجئين وحقهم في العودة لديارهم التي هُجروا منها عام 48. ومن زاوية أخرى مهمة، دلّلت الانتفاضة للإسرائيلي وللعالم ما للمسجد الأقصى من مكانة مقدسة تهون دونها الدماء، مما يشكل حصانة دائمة للمقدسات في فلسطين.

أخيراً أثبتت الانتفاضة أن لدى الشعب الفلسطيني أوراقاً كثيرة يستطيع من خلالها أن يُفشل أية مشاريع من شأنها التفريط بحقه. وأنه قادر على التأثير في المعادلة السياسية وأنه اللاعب الرئيسي الذي يمكن أن يقلب الطاولة وقتما شاء. وهكذا حال الشعوب الحية إذا انتفضت!!!

في الصميم: مجلة العودة – العدد الثاني – السنة الأولى – تشرين الثاني (نوفمبر) 2007

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى