المقالات

في ذكراها السابعة.. الأبعاد الإستراتيجية لانتفاضة الأقصى

الجزيرة – المعرفة – مقالات رأي (وجهات نظر) – تشرين الثاني (نوفمبر) 2007
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

ونحن نعيش أجواء الذكرى السابعة لانتفاضة الأقصى التي اندلعت في الثامن والعشرين من شهر أيلول (سبتمبر) من عام 2000. يُطرح سؤال منطقي عن جدوى تقديم التضحيات الجسام في السنين الماضية.

وهل من ثمن مباشر أو غير مباشر يستحق سقوط أكثر من خمسة آلاف شهيد، خُمسهم من الأطفال، وما يقرب من خمسين ألف جريح، وأكثر من سبعين ألفاً دخلوا معتقلات المحتل لا يزال أحد عشر ألفاً منهم يقبعون في السجون يعانون شتى أنواع التعذيب.

بالإضافة إلى هدم البيوت وتجريف الأراضي والتضييق على حركة التنقل والسفر عبر نقاط التفتيش، وتوقف مناحي الحياة المختلفة فترات ليست قصيرة وما يلحق ذلك من ضائقة اقتصادية. وأخيراً إقدام سلطات الاحتلال على بناء الجدار العازل الذي شقّ الأرض طولاً وعرضاً.

مع تقديرنا لحجم المعاناة وعِظمها، إلا أن ذلك يهون مع رصد سريع للمكاسب والآثار الإيجابية التي تحققت للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة في البعد الإستراتيجي، وهو يشق طريقه لاستعادة حقوقه.

وهنا نقول على قدر سموّ المراد تأتي صعوبة الوصول إليه، وتحمل العناء الكبير والخسائر الفادحة أحياناً لتحقيقه. وهذا هو حال الشعب الفلسطيني منذ حلّت به النكبة إلى الآن. فقد أصبح اسمه عند العالم الحر رمزاً لمقاومة المحتل الرافض لإرادة جلاده.

فقد رسخت الانتفاضة مبدأ أن للشعوب خياراتها وباستطاعتها فرضها، والتأثير بالتالي على معادلة الصراع وإيقاف مشاريع من شأنها هضم حقوقها.

فالانتفاضة وُلدت من رحم اتفاق أوسلو الذي غيّب الشعب الفلسطيني وتعامل معه على أنه قطيع يُساق، وأعفى المحتل من تبعات الاحتلال مع بقائه جاثماً على صدر الشعب الفلسطيني.

ورداً على هذا الإجحاف، أظهرت الانتفاضة الشعب الفلسطيني متحكماً بزمام الأمور وأن تبعات تجاوزه من قبل الساسة وخيمة على المنطقة.

وأعطى ارتباط اندلاع الانتفاضة باقتحام شارون للمسجد الأقصى مؤشراً يدل على ما للمقدسات من أهمية عند أبناء الشعب الفلسطيني تهون معه التضحيات. وفرضت الانتفاضة بعملها هذا القدس والأقصى خطين أحمرين لا يمكن التلاعب بهما.

وقد أوصلت الانتفاضة الرسالة بليغة للقادة الصهاينة إن قصدوا بخطوة شارون اختبار إرادة الشعب الفلسطيني. وهكذا سُجّلت انتفاضة جديدة باسم الأقصى كما حدث سنة 1990 وغيرها رجوعاً لثورة البراق سنة 1929.

وأكدت الانتفاضة أن الشعب الفلسطيني كل لا يتجزأ. فهو يتألم لنفس الألم. فكانت انتفاضة عرب 48 في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2000 تضامناً مع إخوانهم في الضفة وغزة، وأصبح سقوط ثلاثة عشر شهيداً منهم مناسبة لتذكير العالم بأن عرب الداخل فلسطينيون حتى النخاع، وأن تخلي الساسة الفلسطينيين عنهم في اتفاق أوسلو لا يغير من الحقيقة شيئاً. وكذا سقوط شهداء من مخيمات لبنان تضامنوا مع إخوانهم.

وفي مسألة عرب 48 أيضاً، ساهمت الانتفاضة بالتعريف بهم وبماهية قضيتهم ومعاناتهم، والعزلة التي يعيشونها. وأصبحوا حاضرين في البعد الفلسطيني والعربي. وجرى تسليط الضوء على أنشطتهم وشخصياتهم. مما يُعدّ مهماً على المدى البعيد في توظيف طاقات وإمكانات الشعب الفلسطيني مع اختلاف ظروفه المحلية للصالح الوطني.

وتجسّدت الوحدة الوطنية الفلسطينية أيضاً في فعاليات الانتفاضة. وبينت بأنه بالإمكان قيام عمل فلسطيني مشترك رغم وجود التباينات السياسية والتنوع الحزبي. وأن التركيز على مقارعة المحتل من شأنه تذويب الخلافات. وكانت صور القائدين مروان البرغوثي وحسن يوسف يداً بيد في مسيرات الاحتجاج في شوارع الضفة نموذجاً عملياً لهذه الوحدة.

وللانتفاضة فضل في رجوع القضية إلى المربع الصحيح في توسيع دائرة الخيارات في الصراع مع العدو، وعدم قَصرها على المفاوضات. وكان انتهاج العمل العسكري المشروع في مقاومة المحتل سِمة بارزة في انتفاضة الأقصى. وتوّج ذلك بتأسيس أجنحة عسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية. ونركز هنا على كتائب شهداء الأقصى التي أرجعت حركة فتح إلى اعتماد خيار الكفاح المسلح. وأضحى التنافس الفصائلي في تحقيق إنجازات نوعية في العمليات ضد المحتل مضرب مثل.

وقدمت الانتفاضة نماذج رائعة في التضحية والفداء لمئات الشهداء وقصصهم وطريقة استشهادهم، وأصبحوا نجوماً تتغنى بهم الأجيال الجديدة من أبناء الشعب الفلسطيني، بل وتعدى ذلك إلى كل عشاق الحرية في العالم.

وأكثر من هذا، فقد ضرب القادة الفلسطينيون أمثلة في غاية الأهمية في مسيرة الشعب لتحقيق الحرية، فكان أن دفعوا حياتهم رخيصة فداء للوطن. كالرئيس عرفات والشيخ ياسين وأبو علي مصطفى والدكتور الرنتيسي. ومنهم من يقبع في السجون كالقائد أحمد سعادات.

ولا ننسى شموخ أمهات الشعب الفلسطيني وهن يقدمن فلذات أكبادهن رابطات الجأش ماضيات العزيمة، وأصبح شريط أم نضال فرحات (خنساء فلسطين) خالداً في ذاكرة الأمة، فهي التي ودعت ابنها محمد لتنفيذ عملية في قلب مغتصبة صهيونية، ثم استقبلته لاحقاً شهيداً. ودخلت نساء فلسطين التاريخ استشهاديات جنباً إلى جنب مع إخوانهن، كالاستشهاديات وفاء إدريس وريم الرياشي وآيات الأخرس.

إن تجسيد فكرة الشهادة في مستهل القرن الواحد والعشرين يُعد مبدأً مهماً، أوجد في الذهن العربي والإسلامي الحديث استدعاء موروث التضحية والشجاعة والفداء من قصص الخالدين والفاتحين في التاريخ العربي والإسلامي.

لقد شكّل هذا للأجيال الجديدة محضناً تربوياً عملياً في التعريف بمفاهيم كان يصعب تخيلها لولا الانتفاضة. فكان أن توفرت فرصة تحقيق ديمومة الصراع بأبعاده الصحيحة وبالمفردات الأصيلة التي تضمن عدم النسيان والركون.

وساهمت الانتفاضة في تشكيل وبلورة الهوية الوطنية الفلسطينية للأجيال الجديدة سواء في فلسطين أو في الأماكن الأخرى التي يتواجد فيها أبناء الشعب الفلسطيني دون استثناء، ومنها دول المهجر الغربي.

ورسخت فكرة ثقافة الارتباط بالوطن. فكان النهوض بالعمل الجماعي الفلسطيني في الخارج لصالح دعم الانتفاضة، مما أوجد فرصاً لفرز قيادات ميدانية شابة فلسطينية في أماكن عدة، وعمّق حالة من التفاعل مع المحيط الذي يعيش فيه الفلسطينيون لصالح التعريف بالقضية كما هو حال فلسطينيي الغرب، سواء في أوروبا أو على طرفي العالم في الغرب الأميركي أو الشرق البعيد كأستراليا. وبرزت روح السفر إلى فلسطين لدى الأجيال الجديدة الحاصلة على الجنسيات الغربية.

وفتّقت الانتفاضة طاقات الإبداع الفني والثقافي لدى أبناء الشعب الفلسطيني بل والعربي والإسلامي والعالمي. فتولَّد عندنا ما يعرف بأدبيات الانتفاضة من شعر ونثر وسينما. وكذا استخدام التكنولوجيا كالإنترنت وتنظيم الحملات العالمية للتأثير على الرأي العام العالمي بهذه الوسيلة.

وخلقت الانتفاضة جواً من التكافل والتعاضد الفلسطيني سواء في الداخل أو بين الداخل والخارج. وأبرزت أهمية دور فلسطينيي الخارج وحيويته في صمود الداخل في وجه المحتل.

وأبرزت الانتفاضة أهمية الإعلام في الصراع. وأظهرت أن توظيفه قد يشكل تغيّراً في المعادلة. وهذا حال الصهاينة دائماً في التعامل بعناية مع الإعلام الغربي وقلب الحقائق.

وبدأت الحقيقة المجردة تظهر بشكل واضح في عصر الانتفاضة بنقل صورة قتل الأطفال كمحمد الدرة وهدم البيوت وتجريف الأراضي في تجلية حقيقة هذا الكيان الغاصب.

وساعدت الانتفاضة في تسليط الضوء على قضايا أساسية في الصراع كالاستيطان وخطورته والأسرى الفلسطينيين ومعاناتهم. وكذلك ظاهرة العملاء، الغريبة عن شعبنا.

وأجبرت الانتفاضة العدو الصهيوني على إظهار وجهه الحقيقي وإخراج مخزونه بالكامل من الوحشية والعدائية والعنف، وتوج ذلك بانتخاب السفاح شارون رئيساً للوزراء. وكان الجدار العازل وخطورته دليلاً على طريقة التفكير الصهيوني في التعامل مع الشعب الفلسطيني.

وهذا ما أكسب الشعب الفلسطيني تعاطفاً عالمياً مع قضيته. وأنتج حركات منظمة داعمة لحقوقه من شتى أنحاء العالم وأوجد العديد من الأفكار التي شكلت حالة نهوض في التفاعل مع القضية الفلسطينية. وهذا غير مقتصر على البعد الشعبي بل والرسمي. مما يستحق أعمالاً أكاديمية لتوثيقه والعمل على تطويره.

ومما يسجَّل من إنجازات أن القضية الفلسطينية استعادت وهجها ورونقها ببُعديها العربي والإسلامي. بعد تغيبها النسبي في فترة ما بعد أوسلو. فكان أن اشتعلت جذوة تعاطف الشعوب العربية.

وترسّخت مركزية القضية في الضمير العربي والإسلامي، وظهر أنها تشكل حالة إجماع لدى الأمة. وأنها مؤهلة لتكون العامل الأهم في طريق توحيد الأمة العربية والإسلامية في وجه الأخطار.

لقد أكدت الانتفاضة ببعدها الإستراتيجي أن القضية الفلسطينية متحركة بشكل دراماتيكي. ولا ينفصل هذا عن كثرة المتغيرات على الصعيد الدولي مما يخلق ظروفاً سياسية ووقائع تغير حتماً في موازين القوى.

وعليه يكون من الخطأ الجسيم لأي سياسي فلسطيني أن يقدم على مشاريع حل للقضية مع العدو الصهيوني فيها ضياع للحقوق معتمداً على أن ميزان القوى مختل لغير صالحنا، وأنه ليس بالإمكان أكثر مما كان. فنحن بصدد مثال يثبت أن الظروف تتبدل وبالإمكان صياغتها بما يحقق الأهداف المرجوة.

أخيراً لعلّ في الانتفاضة دروساً للمفاوض الفلسطيني تحذره من اللعب بمصير الشعب. فالشعوب حين تنتفض تقلب الطاولة على الجميع، فهل من متعظ!

الجزيرة – المعرفة – مقالات رأي (وجهات نظر) – تشرين الثاني (نوفمبر) 2007

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى