حق العودة في الإعلام الغربي

ورقة عمل مقدمة للمؤتمر الفكري والسياسي الثاني للتجمع الشعبي للدفاع عن حق العودة غزة 1-2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب
تعريف
الإعلام عموماً، انعكاسٌ لواقع الحال في شتّى مناحي الحياة وعلى كلّ الصعد، ويبقى هناك الاستثناء في الإعلام المسيّس الذي قد يُجانب الحقيقة لخدمة الأجندة الخاصة لأصحاب الوسيلة الإعلامية، سواء كانت مقروءة أو مسموعة أو مرئية. ومن هنا لا ينفصل الحديث بالعموم عن الإعلام الغربي وحق العودة عن الحديث عن الغرب وحق العودة. ونحتاج لتناول الموضوع التطرق إلى النقاط الآتية:
- عن أيّ غرب نتحدث والتصنيفات المحتملة؟
- النظرة الغربية إلى القضية الفلسطينية.
- النظرة الغربية إلى حق العودة، وهل من خصوصية في هذا المجال؟
- نظرة عامة على الفضاء الغربي.
- المؤثرات في الإعلام الغربي بالعموم.
- الإعلام الغربي وقضية اللاجئين الفلسطينين وحق العودة.
- العوامل المؤثرة في نظرة الإعلام الغربي إلى حق العودة.
- آفاق مستقبلية لوضع مشروع استراتيجية فلسطينية في تعامل إعلامي غربي إيجابي مع حق العودة.
أولاً: عن أي غرب نتحدث؟
تركز الورقة على الغرب الأوروبي، باعتبار واقع المعايشة لمُعدّ الورقة، والغرب هنا ليس كتلة واحدة في تعامله مع القضايا المختلفة، سواء أكانت داخلية أم خارجية، وفي مجالات الحياة المختلفة. فمع وجود الاتحاد الأوروبي والسير بخطى حثيثة نحو توحيد السياسات، بل والاقتراب نحو الاندماج، إلا أن الدول ما زالت تحتفظ بقدر كبير من استقلاليتها، وبالتالي في تعاملها مع الأمور. وتتحكم ظروف وعوامل عديدة في سياساتها، وفلسطين ليست استثناءً، بل مثال واضح على الاختلاف الغربي بالتعامل معها. فالسياسة الدولية والعلاقات والتوازنات الدولية المبنية على المصالح، وكذلك العلاقات التاريخية وطبيعة الجغرافيا والمصالح الاقتصادية، ولعل بعض العلاقات الخاصة الثقافية والاجتماعية يمكن أن تؤثر في سياسة الدول، مع تثبيت حقيقة أن هناك شبه ثوابت متفق عليها قاريّاً في التعامل مع بعض القضايا لا تختلف عليها الدول وتجدها تتمحور حولها.
ولعلنا نقول إنه حتى في الدولة الواحدة هناك تصنيفات وتقاطعات، بحيثُ لا يمكن أن نحكم عليها ككتلة واحدة في وزنها للأمور. فداخل الدولة الواحدة تختلف سياسة الحكومة المنتخبة عن الأحزاب المعارضة، وكذلك عن البرلمانيين كأشخاص أو حتى مؤسسات المجتمع المدني، سواء الأكاديمية منها أو الدينية (الكنيسة)، وغيرها من مجموعات تختص بقضايا محددة كالبيئة والأقليات.
ثانياً: أوروبا والقضية الفلسطينية
أوروبا الرسمية هي التي صنعت «إسرائيل»، وهي من الرعاة الرئيسيين لمسيرتها خلال العقود الستة الماضية، بالتالي إن الإجماع الأوروبي على ديمومة الدولة العبرية وعدم التأثير في أمنها ركن أساسي.
نذكر هنا أن بريطانيا رعت قيام «إسرائيل» مباشرةً في أثناء فترة الانتداب من 1917 إلى 1948. وفرنسا ساهمت في إنشاء ترسانة الأسلحة النووية الإسرائيلية في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، وكذا الحال في باقي دول القارة. فالتعامل مع الحق الفلسطيني، هو بالقدر الذي لا يؤذي أمن هذا الكيان العبري. واختلاف سياسة هذه الدول في تعاملها الإيجابي مع فلسطين هو في التفاصيل، ومدى تحكّم العوامل المذكورة في البند السابق على السياسة. وأول هذه العوامل، الخلفية السياسية والثقافية، ولعلها أيديولوجية الحزب الحاكم والسياسة المتبناة تجاه فلسطين. وأيضاً المؤثرات والمحددات الأخرى، كالتاريخية منها، فعلاقة بريطانيا بفلسطين – مثلاً – من حيث تاريخ الانتداب، تفرض جواً من العلاقة يختلف عن علاقة فرنسا بفلسطين، التي لديها تاريخ استعماري مع غير فلسطين، أو عن السويد من ناحية أخرى التي لم تَعِش أية تجربة استعمارية خارج القارة الأوروبية. وكذلك تأثير فلسفة سياسة البلد الأوروبي من ناحية التوازنات والسياسة الدولية وتطبيقاتها على أرض الواقع، فتحكم السياسة الأميركية في السياسة الخارجية البريطانية وانعكاس ذلك على تصرف بريطانيا، يختلف عنه مع فرنسا، على الأقل لفترة ما قبل ساركوزي التي قد لا تنذر بخير على صعيد القضية الفلسطينية.
وقد نجحت السياسة الإسرائيلية والدعاية الصهيونية في التحكم في السياسة الغربية في العقود الأولى لما بعد النكبة. وهنا نذكر استراتيجية صهيونية منهجية استُخدمت فيها كل أدوات الخبث في السيطرة على الغربيين والتحكم في مفاتيح السياسة الغربية. وظل الحال على ما هو عليه حتى حرب الأيام الستة في حزيران (يونيو) من عام 1967 الذي وقعت فيه الضفة الغربية وقطاع غزة تحت الاحتلال. وكان لوجود الضفة والقطاع تحت الاحتلال مما يعنيه ذلك من انتهاك للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة من تأثير في الدول الغربية، وإن لناحية صعوبة اتخاذ قرارات تخالف تلك (الشرعية) بشكل فاضح. ولعلنا نضرب مثالاً واضحاً على بدء التوازن في بريطانيا بتشكيل مجلس تعزيز التفاهم العربي البريطاني (كابو) بعد حرب الـ67، الذي ضمّ كل البرلمانيين الذين يعتبرون أنفسهم أصدقاء للقضايا العربية. وفُتحت العضوية للجمهور.
وأخذت الممارسات الإسرائيلية ضد أبناء الشعب الفلسطيني وممتلكاته وأرضه في الضفة والقطاع تتراءى للعالم الغربي عبر النزر اليسير مما سمحت به وسائل الإعلام المتحيزة لإسرائيل، وكذلك مما شاهده الزائرون الغربيون لفلسطين، إما كوفود كشف الحقائق أو الحجاج المسيحيين. حتى وصلنا إلى أوج التغيّر النسبي باندلاع انتفاضة الحجارة، وتالياً انتفاضة الأقصى بدرجة أكبر. وقد أوجدت انتفاضة الشعب الفلسطيني مساحة وعي في العقل الغربي لمراجعة سياسته، ولكن ليس بالقدر الذي يغير معادلة الاحتلال.
فالميزان المختل في التعامل يبقى شاخصاً، ولعل فرض الحصار الجماعي على الشعب الفلسطيني بعد انتخابات كانون الثاني (يناير) 2006، يبقى الدليل الأوضح على حقيقة الثابت والمتغير في السياسة الغربية تجاه فلسطين.
أما على صعيد الرأي العام الغربي وموقفه من القضية، فبدأ خلال الثلاثة عقود الأخيرة يتنامى إيجابياً نحو دعم الحقوق الفلسطينية. وهذا وصل إلى مراحل مهمة في بعض الدول الأوروبية، من قبيل استطلاعات الرأي التي عكست رأياً عاماً أوروبياً، باعتبار«إسرائيل» خطراً على السلم العالمي، أو تجرّؤ ساسة أوروبيين وناشطين في مجال حقوق الإنسان على طرح آرائهم المعادية للسياسة الإسرائيلية، بل والوقوف في الميدان ومواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، كما حصل لتوم هندرل البريطاني، وراشيل كوري الأميركية. ولا ننسى حتى ما عاناه الرسميون الغربيون، كالرئيس الفرنسي السابق جاك شراك حين زار البلدة القديمة، أو الوزير البريطاني الراحل روبن كوك، حين زار مشروع مستعمرة جبل أبو غنيم في ضواحي القدس.
ثالثاً: النظرة الغربية من حق العودة، وهل من خصوصية؟
تختلف النظرة الغربية في ما يتعلق بحق العودة عنها إذا ما قورنت بالنظرة العامة للقضية الفلسطينية والمظلومية الواقعة على الشعب الفلسطيني. وهنا نجد النجاح الإسرائيلي في الإجماع على استحالة عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم التي هُجِّروا منها عنوةً عام 1948، وفي تثبيت حقيقة يهودية الدولة العبرية وعدم التأثير في هذه الهوية، وأن عودة اللاجئين تعني تدمير الدولة، وعدم إمكانية استيعاب الشعبين لمحدودية الأرض. كل هذه المفردات، مع وجود الثابت الغربي في ديمومة الدولة العبرية وعدم التأثير في وجودها، كل ذلك جعل المتعاطفين والداعمين للحق الفلسطيني يترددون في التعامل بإيجابية مع حق العودة. بل ولعلنا نقول إن الورقة السياسية التي أضحت سهلة في التعامل معها لجهة تقديمها للإسرائيليين هي تفهم الغربي لاستحالة حق العودة. وساهم كل ما يمتّ إلى الصهيونية في العالم الغربي بتثبيت هذه الحقيقة. ولعلنا نشير إلى صفحة شهيرة على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، هي (الموسوعة المجانية Wikipedia) التي تتعامل مع حق العودة الفلسطيني بوجهة نظر إسرائيلية بالكامل وتحت عنوان «إسرائيل»، وكذلك مئات الكتب والمراجع في مكتبات الجامعات الغربية التي تتعامل مع تجارب اللجوء في العالم، دون ذكر للاجئين الفلسطينيين. بل أكثر من هذا، فإن بعض وجهة النظر الإسرائيلية غزت العالم العربي والعالم الإسلامي الرسميين. في تفهم ممجوج لوجهة النظر الإسرائيلية، لعل آخرها ما جاء على لسان الرئيس الباكستاني برويز مشرف في كلمته الافتتاحية لمؤتمر القمة الإسلامي في 15 أيار (مايو) 2007، الذي يصادف إحياء الفلسطينيين لذكرى النكبة حين طالبهم بحل توافقي لموضوع حق العودة والنظر بواقعية. ولعل مثل هذا التفهم غير المقبول وتبنياً فلسطينياً رسمياً أحياناً، كما حصل في وثيقة جنيف الموقعة في 2003 من قبل شخصيات فلسطينية رسمية وبعض شخصيات اليسار الإسرائيلي، كل هذا يجعل الغربيين أكثر قرباً وتجاوباً مع الإسرائيلي.
ولعل الشيء بنقيضه يعرف. فإن كل هذا الإصرار الإسرائيلي والتفهم الغربي وشيئاً ما العربي والإسلامي، جعل قطاعات الشعب الفلسطيني تزيد من جرعة إظهارها لتمسكها بحق العودة. وحفز بعض الغربيين من ناحية أخرى على محاولة اكتشاف حقيقة الموقف الفلسطيني من حق العودة. وبدت الوفود تتقاطر لهذا الغرض على مخيمات اللجوء، ولعل أشهرها الوفد البرلماني البريطاني الذي قام بجولة على مخيمات سورية ولبنان والأردن والضفة وقطاع غزة، وخرج بتقرير وافٍ لتقصي الحقائق يُعتبَر وثيقة تاريخية في هذا المجال. وامتاز بشفافية عالية ثبت فيه حقيقة تمسُّك الشعب الفلسطيني بحق العودة. وصدر كتاب في هذا المجال باللغتين العربية والإنجليزية يحسن الرجوع إليه.
ومما يعكس النظرة الغربية غير العادية لموضوع اللاجئين، ما حدث في المؤتمر الصحافي الذي دعت إليه تلك البعثة البريطانية المذكورة سابقاً في داخل البرلمان لعرض تقريرها. واجتمع ثلاثة نواب ليشاركوا، فلم يحضر أحد، عدا وسيلة إعلام عربية واحدة، وكانت القاعة فارغة إلا من الداعين.
ونثبت حقيقة أن مجهود المجموعات الفلسطينية وبعض الداعمين للحق الفلسطيني بدأ يوجِد نوعاً من المعرفة لدى قطاعات من الغربيين على الجانب الرسمي والشعبي بمدى أهمية حق العودة للفلسطينيين وعدم إمكانية القفز عليه، حتى أصبح جزءاً أساسياً من الحلول المطروحة، بما فيها ورقة كلينتون الشهيرة، بتثبيت مبدئية الاعتراف بحق العودة، ومحاولة التلاعب في التطبيق العملي له واستحالته.
رابعاً: نظرة عامة على فضاء الإعلام الغربي
نستطيع أن نعرّف الإعلام الغربي الأوروبي بأنه وسيلة إعلامية منشأها الدول الغربية، وهو مملوك لجهات غربية، وإن كان بعضه موجهاً إلى العالم الإسلامي والعربي، كصوت أميركا أو البي بي سي وغيرهما، سواءٌ أكان مقروءاً أم مسموعاً أو مرئياً. ودخل أخيراً بقوة تزاحم الوسائل الأخرى كشبكات الإنترنت، حيث إن نسبة استخدامها عالية جداً. وكانعكاس لمدى أهمية جهاز الحاسوب واستخداماته، ومنها الشبكة العنكبوتية، في حياة الغربيين، أضحى من ضمن المقررات الدراسية الرئيسية في الحقل التعليمي الأولي في المدارس، كالرياضيات والعلوم واللغات. وعليه، فهو تقريباً في متناول الجميع. ومن هنا تعتبر تكنولوجيا المعلومات وسيلة تأثير إعلامية عالمية مهمة للغاية.
وبالإمكان تقسيم الإعلام الغربي إلى حكومي وخاص. وهناك تبنٍّ رسمي للإعلام المموَّل حكومياً، أن يكون مستقلاً في سياسته كما هو حاصل مع هيئة الإذاعة البريطانية .(BBC)
وبخصوص الإعلام الخاص، يدخل في هذا المجال عمالقة الإعلام وحيتانه الذين في الغالب ما يكونون من داعمي «إسرائيل»، كمردوخ الأوسترالي صاحب شبكة سكاي الشهيرة التي تنافس بقوة المحطات العريقة القديمة.
ومع دخول العالم عصر الفضائيات التي كسرت الحدود الجغرافية واختزلت العالم بأبعاده الأربعة في شاشة صغيرة كل ما فيها مرئي، اتسعت مجالات التأثير الإعلامي عبر القارة الأوروبية من دولة إلى أخرى. ونلفت النظر إلى أن ساعات البث في الفضائيات، على مدار الساعة، جعلت الحاجة إلى إنتاج مواد تلفزيونية وإخبارية كثيرة، تدفع نحو التنوع في طرح الموضوع، ما أتاح المجال للمنافسة الإعلامية بتسليط الضوء على قضايا جديدة ومثيرة. وهذا خدم قضايا عديدة في العالم لم تأخذ حظاً في الماضي. ولعل القضية الفلسطينية أخذت حظاً لا بأس به من هذا.
ونحن نذكر عصر الفضائيات، نلحظ أن القنوات التلفزيونية المحلية الأرضية ما زالت تأخذ حظاً أكبر في المشاهدة لدى الشعوب الأوروبية، لاعتبارات عدة، بعضها وطني، حيث إن حصة البلد من الأخبار كاملة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الانفتاح العالمي في السوق التجارية وإمكانية التملك عبر شبكات عالمية جعلا من نفوذ رأس المال وأصحابه في التحكم في الرسالة الإعلامية كبيراً للغاية، وقلّل من أهمية الجغرافيا في التأثير الكبير، بحيث أصبحت بعض الجرائد والمجلات وشبكات التلفزة العالمية حاضرة في عموم القارة الأوروبية.
ونشير أيضاً إلى تسيّد اللغة الإنكليزية للغات العالم، وحضورها في المنهاج الدراسي لبلدان ليست قليلة في أوروبا، وخاصة الجزء الشمالي منها، ما جعل للإعلام الأميركي بلغته الإنكليزية حضوراً في فضاء الإعلام الأوروبي الغربي كشبكة CNN.
خامساً: المؤثرات في الإعلام الغربي بالعموم
المؤثرات في الإعلام الغربي كثيرة ومتنوعة. منها ما هو سياسي أو اقتصادي مالي أو ثقافي أو إجتماعي وغيرها، ونذكر على سبيل المثال وليس الحصر:
1- سياسة المالك من القضايا المختلفة. وهذه لها التأثير الأكبر، إن لم يكن الطاغي، وخاصة إن كان جهة خاصة لفرد واحد.
2- السياسة الحكومية في البلد ومدى تأثيرها في المؤسسة الإعلامية. وهذا يتفاوت بقرب الجهة الإعلامية من الحكومة أو بعدها عنها.
3- الحراك السياسي للحكومة باتجاه القضايا المختلفة. زيارة رئيس الدولة أو وزير لفلسطين مثلاً، أو تقديم مبادرة من الحكومة باتجاه قضية ما.
4- المزاج العام في البلد. مثلاً في أوروبا، النعرة العنصرية في ازدياد، والقضايا المحلية طاغية على الدولة، واهتمامات الشعوب استهلاكية بحتة. وبالكاد تأخذ الأخبار الدولية مساحة، إلا إذا فرضت نفسها بقوة الحدث. ومثال آخر، الحرب على العراق، حيث المزاج الأوروبي معارضة الحرب نوعاً ما.
5- يؤثر في الإعلام الدعايات التجارية المسيّسة التي تشترط سياسة معينة للجهة الإعلامية لضمان الإعلانات.
6- شخصية المحررين الصحافيين وخلفيتهم الدينية والسياسية، ونظرتهم إلى الأمور وانعكاس ذلك على التغطية.
7- مدى الجهة المعنية في الأخبار المتداولة في الجهة الإعلامية. مثلاً، جالية يهودية قوية، أو جالية فلسطينية قوية في المقابل ومدى تنظيم هذه الجاليات أو غيرها للضغط في قضية ما على الوسيلة الإعلامية لتبنّي رأي أو خلافه.
8- قوة الخبر وعدم القدرة على تجاهله، وخاصة إذا جرى تداوله عالمياً، كاستشهاد محمد الدرة، أو عائلة غالية وغيرها.
سادساً: الإعلام الغربي وقضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة.. نظرة تاريخية وواقع الحال
الملاحظ أن الرواية الفلسطينية حاضرة بقوة وبإيجابية عالية أحياناً في الإعلام الغربي، وخاصة اليساري (صحيفتا الغارديان والإندبندنت البريطانيتين مثالاً)، وخلال فترة السنوات الأخيرة. سلطت هذه الصحف الضوء بوضوح على الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان من قبل المستوطنين، وقلع الأشجار وتجريف الأرض وقتل الأطفال والحصار ونقاط التفتيش. ونحن إذ نرصد ذلك، لا ننسى عدم التوازن المخلّ لجهة دعم الإعلام الغربي لإسرائيل. ولكن نقيس الإيجابيات، باعتبار أننا بدأنا كفلسطينيين من خط الصفر السلبي، فكل ما تحقق من تغيير نسبي يُعَدّ دراماتيكياً بهذا المعنى.
بالرغم من ذلك، إن التعامل مع حق العودة الفلسطيني في الإعلام الغربي وتطبيقاته على أرض الواقع لا يكاد يوازي أو يذكر، قياساً بما ذُكر عن القضية الفلسطينية في العموم. ونستثني مقالات هنا وهناك لناشطين فلسطينيين وجدوا لهم مساحة إعلامية وكتبوا في صحف، كالأكاديمية الفلسطينية كرما النابلسي ومقالاتها في صحيفة الغارديان البريطانية.
وتتناول وسائل الإعلام الغربية صعوبة تطبيق حق العودة، وتأتي مقالات كتّاب يهود لتثبت الرواية الإسرائيلية في هذا المجال.
سابعاً: العوامل المؤثرة في نظرة الإعلام الغربي إلى حق العودة
هنا يأتي نفوذ الجاليات اليهودية وفعالية السياسيين الإسرائيليين والاستراتيجية الصهيونية في التعامل السلبي بالمطلق مع حق العودة.
عدم وضوح الصورة – نتيجة للأكاذيب الصهيونية لدى الإعلام الغربي – في المعرفة والإجابة عن متى؟ وأين؟ ومن؟ وكيف؟ في كل ما يتعلق بحق العودة واللاجئين.
وفي المقابل ثمة ضعف فلسطيني رسمي واضح انعكس على محدودية أداء أبناء الجالية الفلسطينية في أن يستخدموا الإمكانات الفلسطينية بحدودها القصوى في التأثير بالإعلام وتشكيل مجموعات ضغط فاعلة.
والحال العربي في هذا المجال ليس أفضل، فالسفارات العربية في الخارج تعكس حال الترهل العربي. وإن كان الفلسطينيون غير فاعلين، فما بالنا بالعرب؟
هذا لا ينفي حقيقة بعض التأثير لبعض المحاولات التي يمكن تصنيفها بالبذرة الصالحة، كتجربة الراصد الإعلامي في بريطانيا في التعامل مع موضوع اللاجئين. وكذا لجان حق العودة التي ربطت نفسها اسماً وعملاً بالعودة. ولكن لا يمكن أن يدعي أحد أنها يمكن أن تؤثر جذرياً في الإعلام الغربي، فألتأثير يحتاج إلى عمل كبير وإمكانات مالية حتى يحقق بعض الاختراق في الساحة الإعلامية المفتوحة.
ولعظم الأحداث التي تجري في فلسطين، يضطر الإعلام الغربي إلى تسليط الضوء على كل جوانب الصراع، ومنها حق العودة واللاجئون وأوضاعهم. ولا شك في أن فعاليات الشعب الفلسطيني في الداخل لها نصيب الأسد من التأثير.
كذلك فإن نشاط فلسطينيي الـ 48 وفعالياتهم وانفتاحهم على العالم الغربي أوجدت شيئاً من التأثير في تسليط أكبر للضوء على قضيتهم ومسألة حق العودة أيضاً.
وهنا يأتي التأثير للإعلام الناطق باللغات الأوروبية، من خلال عرب وفلسطينيين يؤثّرون مباشرةً بالإعلام الغربي من طريق صفحات الإنترنت، وأظن أن لها نصيب الأسد في حضور رواية الفلسطينيين حول ما يجري من أحداث، خاصة أن الصحافيين الغربيين المحررين للأخبار يعتمدون كثيراً على شبكة الإنترنت لتحصيل الأخبار.
ثامناً: آفاق مستقبلية في مشروع استراتيجية فلسطينية في تعامل إعلامي غربي إيجابي مع حق العودة
وهنا تحضرني نقاط عديدة:
1- الوصول إلى توحيد أو إجماع فلسطيني على التمسك بحق العودة وعدم التنازل عنه. وهذا من شأنه أن يجعل العالم الغربي يتعامل مع القضية محلّ الإجماع بإيجابية.
2- عناية فلسطينية رسمية بالجاليات الفلسطينية بالغرب الأوروبي وتشكيل أطر إعلامية والتركيز على موضوع حق العودة في التحديث مع الإعلام الغربي.
3- إصدار كراسات باللغات الأوروبية المختلفة بمضامين حق العودة واللاجئين من قبل الجهات الفلسطينية المختلفة وإرسالها إلى الإعلاميين الغربيين.
4- تشكيل الفلسطينيين مكاتب علاقات عامة إعلامية للتعامل مع الإعلام الغربي.
5- إقامة الأنشطة المختلفة ودعوة الإعلاميين.
6- الاهتمام بشبكات الإنترنت باللغات الأوروبية، وخاصة في مجال حق العودة.
7- تأهيل فلسطينيين يتحدثون اللغات الأوروبية بكفاءة لنسخ علاقات قوية مع الصحفيين.
8- تأهيل فلسطينيين من الجيل الثاني والثالث في أوروبا، في حقل الصحافة، لكي يكونوا جزءاً من الماكينة الإعلامية الغربية، ولكن بفكر حق العودة.
وننهي بالقول إن جانب العلاقات العامة في موضوع الإعلام مهم في إيجاد مساحة لطرح وجهة النظر الفلسطينية، ولا يمكن أن يهمل، وهذا يحتاج إلى وقت يسبقه إيمان بإمكانية تحقيق إنجازات في هذا المجال.
ولا يأتي هذا دون وعي بأهمية ما نقوم به، وكذا تخطيط سليم يأخذ بالاعتبار النقاط السابقة.




