المقالات

العمل الشعبي الفلسطيني ودوره الاستراتيجي في مواجهة المشروع الإحلالي وحق العودةبقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير

لم يكن اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه بالقوة وتهجيره إلى أنحاء العالم عمليةً سهلةً أو مباشرة، بل كان حصيلة جهدٍ ممتدٍ ومتراكمٍ وضخمٍ، ساهمت فيه أطراف عديدة في العالم فيما يمكن أن نسميه مؤامرةً دولية.

وقد جُنِّدت كل الطاقات اليهودية التي تؤمن بالمشروع الصهيوني في البلدان التي كانوا يعيشون فيها قبل عام 1948، ليكونوا فاعلين في خدمة هدف إقامة الكيان. ولم تترك الحركة الصهيونية، وهي بمثابة رأس الحربة، أية وسيلة لاغتصاب فلسطين إلا واستخدمتها، ولا طريقاً إلا وسلكته، ولم تهمل أي عامل مساعد، حتى تمكَّنت من التغلغل في فلسطين، ثم السيطرة عليها، والتمكن من شعبها وطرده وتحويله إلى لاجئ في بقاع الأرض، ومن ثم إقامة دولة الاحتلال، التي استمرت حتى الآن لأكثر من سبعة عقود.

وشنت حرباً شاملة على الشعب الفلسطيني؛ عسكرية وسياسية واقتصادية وأمنية وثقافية واجتماعية. ولا يمكن أن نتخيل مشروعاً إحلالياً إلا بهذه الطريقة في التفكير والتخطيط، وكذلك بالوسائل التي استخدمها. فهم لا يرون الآخر، ويرون أن ضمان بقائهم لا يتحقق إلا بإلغائه ومحوِه من الوجود. ويقوم مشروع «يهودية الدولة» في أحد دوافعه على هذه الفلسفة في النظر إلى الوجود.

ويدلل على ذلك المسارعة المبكرة للكنيست الإسرائيلي إلى إقرار «قانون العودة»، الذي يشرّع لليهودي الهجرة إلى فلسطين على أساس الانتماء إلى الديانة اليهودية بشكل حصري. ولعلنا بذلك نفهم الهاجس الإسرائيلي من حق العودة للاجئين، والمطالبة به من قبل الشعب الفلسطيني.

وبهذا الوصف، يصبح الفلسطيني هو الهدف الرئيسي لدولة الاحتلال؛ إذ تسعى إلى إبقائه بعيداً عن أرضه، وأن يسلّم بأنها لهم، وألا تكون له أي مطالب بها. ولذلك سعت دولة الاحتلال إلى خلق ظروف وبيئة حول الشعب الفلسطيني تؤدي إلى التخلي عن حقوقه، ونسجت سياساتها على ضمان ذلك، كما عملت على إفراغ نقاط القوة الفلسطينية من مضامينها.

فكانت تعمل على قتل روح المقاومة، واتباع سياسة التهجير والترحيل، وهدم البيوت، وسرقة المياه، وتهويد القدس، وبناء المستوطنات، والأسر، والتعذيب، والحصار، وملاحقة الفلسطينيين في أنحاء العالم، ومحاولة طمس الهوية وتغييب الذاكرة، واستخدام المحافل الدولية ومنصاتها لتحقيق الغاية نفسها.

ومن هنا، فإن الشعب الفلسطيني يحتاج إلى استحضار جميع الجوانب التي سلكها الصهاينة، ودراستها دراسةً معمقة، حتى يستطيع أخذها في الحسبان ضمن مشروعه الوطني التحرري لاسترداد حقوقه. وفيما تقدم من فهمنا للصراع، يأتي البعد الشعبي أساسياً، بل هو الأهم بين العناوين الاستراتيجية في طريق تحرير فلسطين. وهو البداية الصحيحة دائماً، فطالما آمن الشعب بأحقيته بأرضه، وتمسك بذلك، وعمل على استردادها، فإن الوصول إلى الهدف يصبح مسألة وقت.

وهذا ما حصل بالفعل، فالشعب الفلسطيني لم يدخر جهداً، منذ بدايات التنفيذ الفعلي للمشروع الصهيوني مع مطلع القرن الماضي وحتى اليوم، في التصدي للمؤامرة ومحاولة منعها بكافة الوسائل المتاحة، وكان لكل مرحلة رجالها وأدواتها.

فكان العمل العسكري الميداني والانتفاضات الشعبية المتوالية ضد الاستعمار البريطاني طوال ثلاثين سنة من وجوده، وبعده استمر العمل مع قيام دولة الاحتلال، وعلى مدار أكثر من سبعة عقود، في طريق تحقيق هدفه المعلن في تحرير فلسطين والانعتاق من الغاصب.

وضمن المجهود الشعبي، قامت الثورة الفلسطينية الحديثة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وتولت زمام الأمور في منظمة التحرير الفلسطينية. وتستحق تجربة المنظمة الوقوف عندها، لما قامت به من تجييش للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج ليؤدي دوره، وفي تحريكها للشعوب العربية والإسلامية وأنصار الحق والعدل في العالم. كذلك لا يغيب عنا، في إطار الدور الشعبي، انتفاضة الحجارة التي اندلعت في أواخر عام 1987، والتي خرجت من رحم المخيمات.

وفي هذا السياق، نرصد مظاهر المجهود الشعبي خلال العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين، بأشكال مختلفة، جسدت كفاح الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج على حد سواء في التصدي للاحتلال، وكذلك في مواجهة محاولات الالتفاف على حقوقه من أطراف عديدة.

وقد واكب ذلك مجهود مستمر ومنظم في دعم القضية الفلسطينية من قطاعات أهلية وعربية ودولية. وكانت الإنجازات عديدة في الداخل، على الرغم من الظروف السياسية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي عام 1948. كما امتدت هذه الجهود إلى خارج فلسطين، حيث الشتات الفلسطيني، من دول الجوار إلى أبعد نقطة في العالم. وقد تحقق ذلك رغم التحديات والوقائع السياسية الحادة، سواء كانت داخلية فلسطينية أو إقليمية أو دولية.

فقد اقترن استهلال الألفية الثالثة باندلاع انتفاضة الأقصى، بما حملته من آثار استراتيجية وتأثيرات عميقة على الفلسطينيين في الداخل والخارج، وإسهامها في بلورة الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة، ولا سيما في المنافي البعيدة.

وكان للمسجد الأقصى المبارك الدور الرئيسي، كما كان شأنه في مختلف مراحل الصراع خلال العقود الماضية، في اندلاع الانتفاضة الشعبية الثانية، وكذلك في الهبات الشعبية التي تلتها، إذ كان الاعتداء على حرمته الدافع الرئيس لها.

وتبقى القدس، بما تمثله من مكانة دينية ووطنية، في قلب الصراع، ولذلك تسعى دولة الاحتلال إلى تهويدها وطرد أهلها. ومن هنا تبرز أهمية دعم صمود المقدسيين، وتعزيز مجهودهم الشعبي الاستراتيجي في مواجهة الاحتلال وسياساته. ويأتي نموذج كفاحي أسطوري آخر للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، بثباته وصبره على حصار استمر أكثر من أربعة عشر عاماً، عانى خلاله مختلف صنوف الآلام والصعاب. وقد كان لهذا الحصار، وما رافقه من حروب وحشية، صدى عالمي على المستويين الرسمي والشعبي، وأسهم في إدخال القضية الفلسطينية مرحلة جديدة في الوعي العالمي بحقيقة ما يجري في فلسطين، وكشف الوجه الحقيقي للاحتلال.

وقد تجلّى ذلك في المجهود الشعبي العالمي الذي بذله المتضامنون الدوليون في محاولاتهم لكسر الحصار، والتي بلغت ذروتها في «أسطول الحرية» الشهير أواخر أيار (مايو) عام 2010، عندما اعتدت قوات الاحتلال عليه في المياه الدولية في البحر المتوسط، ما أدى إلى استشهاد تسعة من المتضامنين، الذين ارتقوا إثر إصابتهم برصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي. وبالتوازي مع ذلك، واكبت الحصار خطوات سياسية ودبلوماسية وقانونية وحقوقية في سبيل كسره.

وتبقى قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة، بكل أبعادها، عنواناً رئيسياً طوال العقود السبعة الماضية، ولم تكن السنوات العشرون الأخيرة استثناءً من ذلك. فقد ظل اللاجئون الفلسطينيون، بإيمانهم بعدالة قضيتهم وتمسكهم بحقوقهم وعدم تفريطهم بها، يشكلون سداً منيعاً في وجه محاولات الالتفاف على حق العودة وإسقاطه، وتمكنوا من إفشال كثير من تلك المحاولات.

ونظراً إلى إدراك الحركة الصهيونية خطورة حق العودة، وما يمثله من تهديد لمشروعها، أصبح هذا الحق هدفاً دائماً لمحاولات الشطب والاستهداف، بما في ذلك استهداف المخيمات الفلسطينية، وخدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وما تمثله من حضور دولي، إلى جانب ممارسة الضغوط على القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، لدفعها إلى تبني مواقف تستهدف حق العودة.

وقد تجلت هذه السياسات خلال السنوات الماضية في خطوات أمريكية واضحة استهدفت وكالة الأونروا وحق العودة، وكأن هذا الحق يشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي. وجاء ذلك في ظل أوضاع معيشية صعبة عاشها اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات، سواء في لبنان وما يعانونه من تمييز وحرمان، أو في العراق وسورية حيث تعرض كثير منهم للتهجير مجدداً، إضافة إلى الأوضاع الإنسانية القاسية التي يعيشها أبناء الشعب الفلسطيني في مناطق الأزمات المختلفة في العالم العربي.

وفي هذا السياق، برز المجهود الشعبي الفلسطيني في الدفاع عن حق العودة في مختلف أماكن وجوده، ومن أبرز نماذجه تجربة مركز العودة الفلسطيني، وحصوله على مكانة استشارية في الأمم المتحدة، إلى جانب مؤتمرات فلسطينيي أوروبا وأمريكا الخاصة بحق العودة، ولاحقاً تجربة المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج. كما امتدت هذه الجهود إلى مبادرات عربية ودولية داعمة لحق العودة، ومن أبرزها الملتقى العربي الدولي الذي عُقد في دمشق عام 2007.

وفي حراك التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني، نرى لزاماً علينا التوقف ملياً عند مواقف وأنشطة وإنجازات وتضحيات أحرار العالم على المستويين الرسمي والشعبي، فهم الذين غطوا في دعمهم مختلف عناوين القضية الفلسطينية في أماكن وجود شعبنا، ولا سيما في الداخل.

واستثمر المجهود الشعبي الفلسطيني خلال العقدين الماضيين الروزنامة الوطنية، واستخدمها بذكاء في التصدي للمشروع الصهيوني، كالذكرى الستين والذكرى السبعين للنكبة، ومئوية وعد بلفور. وكان للحراك الشعبي الفلسطيني، من خلال إحياء هذه المناسبات، دور رئيسي في التصدي للأكاذيب الصهيونية ومواجهتها، وكسب الرأي العام العالمي لصالح القضية الفلسطينية.

ونعتقد أن تراجعاً حقيقياً وملموساً قد بدأ يطرأ على المشروع الصهيوني، وأن علامات واضحة على انهياره أخذت تنخر بنيانه. ويدلل على ذلك عدد من الأحداث التي جرت خلال العشرين عاماً الماضية، والتي تُعد تراجعات استراتيجية، من قبيل الانسحاب الأحادي من جنوب لبنان عام 2000، ومن قطاع غزة عام 2005، وكذلك عدم قدرته على الحسم العسكري في حروبه المتكررة ضد قطاع غزة، إضافة إلى الإخفاقات الأمنية التي لم تكن معهودة في أجهزته، وغير ذلك من الأمثلة في مختلف المجالات والأصعدة. ويعود ذلك إلى عوامل عديدة، يأتي في مقدمتها كفاح الشعب الفلسطيني وصموده.

وبالتوازي مع ذلك، ومن زاوية شعبية، وفي الشأن الداخلي، برزت مواقف عديدة تبنت التمسك بالحقوق، وطرحت رؤية لمستقبل القضية الفلسطينية تقوم على استرداد الحقوق، من خلال إعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية، يُنتخب فيها ممثلو الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، حيثما أمكن، لعضوية مجلس وطني جديد، يفرز لجنة تنفيذية وقيادة جديدة. ومن شأن ذلك أن يضع مشروعاً وطنياً يمثل الشعب الفلسطيني بإنصاف، ويسهم في تسريع استعادة حقوقه.

وبقراءة متأنية لمجرى الأحداث منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وبرغم المشهد المأساوي المباشر، فإننا نرى، بنظرة تفاؤلية تستند إلى قراءة واقعية لمسار الشعب الفلسطيني، أن اللاجئين باتوا اليوم أقرب إلى العودة إلى ديارهم ومدنهم التي هُجّروا منها عام 1948.

برلين – ألمانيا

السبت 30 رمضان 1441 هـ

الموافق 23 أيار (مايو) 2020م 

العناوين البديلة الأكثر دقة وتركيزاً:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى