المقالات

للمسيري فضل

في الصميم: مجلة العودة – العدد الثاني عشر – السنة الأولى – أيلول (سبتمبر) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

أتشرف بأن أكون من الذين طالما تعلّموا جديداً في لقاءاتهم معه. معرفتي به ترجع إلى الأيام الأولى لتأسيس مركز العودة الفلسطيني في لندن. استضفناه في شهر تموز (يوليو) من عام 1996، لكي يحاضر عن عقلية الترانسفير في الفكر الصهيوني. هو صاحب رؤى متميزة ومعمّقة ومدعومة بالمعلومات والدلائل في التعاطي مع الوجود اليهودي والصهيوني في فلسطين؛ بل وحركته عبر التاريخ في العالم. ساهم بفعالية في وضع أسس تعاملنا مع قضية اللاجئين وحق العودة في الغرب الأوروبي.

نتحدّث هنا بحزن عن فراق فقيد مصر والشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية، الدكتور المرحوم عبد الوهاب المسيري. برحيله خسرت القضية الفلسطينية الكثير بتوقفه عن العطاء. ولعلّ العزاء هو تركه إرثاً يمكن اعتباره حضارياً وحيوياً سيكون نبراساً للأجيال القادمة، كما كان منهلاً للسابقين الذين عايشوا الدكتور ونحن منهم. فالشعب الفلسطيني يعدّه في الصف الأول في معركة التحرير الشاملة الذي تجتمع فيه المقاومة والفكر والثقافة لتكتمل مختلف مناحي الصراع.

وهو أيضاً فقيد مركز العودة، الذي واكب مسيرته عضواً في هيئته الاستشارية. ولم يدّخر جهداً ولا وقتاً في تصويب مسيرته ومدِّ يد العون بكل الوسائل لكي تبقى قضية اللاجئين حيّة عبر الأنشطة والفعاليات التي كانت وما زالت تُقام.

يرجع الفضل للدكتور عبد الوهاب في لفت نظرنا إلى الأهمية القصوى لطرح موضوع «قانون العودة الإسرائيلي» وأثره على الصراع في فلسطين، وحيوية ذلك في الدفاع عن حق العودة، وأن من الضروري تسليط الضوء على الجانب العنصري لهذا الكيان. كان يقول دوماً: لا يمكن أن نُرجع اللاجئين الفلسطينيين؛ وأفواج اليهود تتدفق إلى فلسطين. وهذه وجهة نظر استراتيجية هجومية ذكية؛ بدل الانكفاء إلى موقع الدفاع السلبي.

وقد قعّد الدكتور عبد الوهاب لرؤية سياسية في التعامل الفلسطيني مع الحلّ الشامل خلال محاورة السياسيين الغربيين؛ من قبيل الدفع باتجاه إلغاء «قانون العودة الإسرائيلي» وتطبيق «حق العودة الفلسطيني»، كفاتحة لإنهاء حالة الاحتلال. نتج من هذه النقاشات مؤتمر دولي عن «قانون العودة الإسرائيلي» أقامه مركز العودة في نيسان (أبريل) من عام 2002 في جامعة لندن، تحت رعاية الأمين العام لجامعة الدول العربية، وصدرت أوراقه الست عشرة في كتاب باللغتين العربية والإنجليزية، وللمسيري إسهامه الواضح فيه.

عايش المرحوم مع القائمين على مركز العودة فكرة إنشاء متحف فلسطين بلندن. كان مفعماً بالفكرة، ولاحقاً محتضناً للمشروع ومتابعاً له. لقد شارك في الجلسات الأولى للتقعيد للأهداف والرؤية المنشودة لمشروع المتحف.

التقيته مرة في إحدى زياراته للندن مصطحباً عقيلته الدكتورة هدى وحفيده، وشاورته في حاجتنا إلى معماريّ يجمع في خبرته الشرق مع الغرب وعارفاً بقضيتنا الفلسطينية ببعدها العربي والإسلامي. فأشار عليّ بالبرفيسور المعماري ابن مصر؛ عبد الحليم إبراهيم.

وكانت نِعمَ المشورة. فخلال ثلاثة أيام طار إلينا البرفيسور إبراهيم وجلس في لندن بمعيّة المسيري جلسات عمل مكثفة مقرونة بزيارات لمقرّ المشروع في وسط لندن. ووضع رؤية معمارية تم اعتمادها، تحوّلت الآن إلى واقع مشهود في قلب العاصمة البريطانية. وكما كان المسيري زاهداً في الدنيا ومتاعها ولم يتقاضَ قرشاً واحداً طوال سني تطوّعه معنا، كذلك كان صاحبه البرفيسور عبد الحليم إبراهيم الذي أعطى خلاصة فكره، كما أخبرني، وهو الحائز جائزة الآغا خان في الفن الإسلامي؛ دون النظر إلى أجر مادي. عرفت ما تعني فلسطين وخدمتها للأصدقاء؛ حين أخبرني المسيري أثناء تلك الزيارة التي جاءت على جناح السرعة، أنه يحتاج إلى أسبوعين لكي يرتب لعشاء مع صاحبه إبراهيم في القاهرة، من فرط انشغال الأخير.

كثيرة هي الميزات التي كان يتحلى بها الدكتور عبد الوهاب المسيري. ولعلّ أوضحها تواضعه الذي في ما نعتقد أورثه منازل العلماء. وقبل ذلك وبعده حبّ الجميع واحترامهم. يكفي أنّ جنازته شارك فيها الأضداد، فقد جمعت الإسلاميين واليساريين، وممثلي الحكومة بمستوى رفيع وجموع الناس. نسأل الله لك الرحمة والغفران.. أيها الفقيد المعلّم.

في الصميم: مجلة العودة – العدد الثاني عشر – السنة الأولى – أيلول (سبتمبر) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى