سياسة «أُمّ الدنيا» مع «أُمّ القضايا».. كفى!

كلمة العودة: مجلة العودة – العدد الثاني عشر – السنة الأولى – أيلول (سبتمبر) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب
يتعامل الشعب الفلسطيني، بمختلف ألوانه السياسية الحزبية وعلى الصعيد الشعبي أيضاً، بحساسيّة مفرطة مع مصر العروبة بشقّها الرسمي لناحية عدم إغضابها أو حتى إزعاجها. وينقسم الشعب، برأينا، في موقفه إلى وجهتي نظر إحداهما مبدئية وأخرى مصلحيّة، والنتيجة مع كلتيهما بالنسبة إلى مصر واحدة. فالشعب الفلسطيني يعي ما تمثل مصر الدولة والشعب من عمق استراتيجي للقضية الفلسطينية في مختلف مراحل الصراع العربي- الصهيوني، دون استثناء العهد الملكي ما قبل النكبة وبُعيد وُقوعها.
ثم إنّ الروابط بين مصر وفلسطين وشيجة، ولا يستطيع كائن من كان أن يضعفها. وهي تسمو فوق الأشخاص والأزمان. فصِلة الجوار والقومية والدين، وتلحق بها المصاهرة، تستعصي على الطمس. ومع الإمكانات النوعية لمصر من الناحية السياسية والديموغرافية والجغرافية والثقافية والحضارية وغيرها، أضحت أملاً لكل فلسطيني توّاق للحرية والانعتاق من الاحتلال في أن تقف في وجه الطغيان الصهيوني. وحتى اتفاق كامب ديفيد لم يغيِّر في النظرة الاستراتيجية للفلسطينيين تجاه مصر، كيف لا والكيان الصهيوني نفسه مدرك لوزن مصر على كل الأصعدة، وهو الذي طالما عمل جاهداً لتحييدها أو طمع ربما في ما هو أبعد.
نسجِّل هذا، ونحن نرى، ومعنا كل عربي ومسلم غيور، شعب فلسطين وخصوصاً في غزة، يُعامَل من قبل الحكومة المصرية بما لا يليق بالدور الريادي والأبوي لمصر في العالمين العربي والإسلامي. إنّ سلسلة إجراءات الحكومة المصرية تجاه الشعب الفلسطيني خلال السنين الماضية، وآخرها المساهمة الفاعلة في فرض الحصار على القطاع وتعطيل مناحي الحياة، إنما تدخل في دائرة عدم الاتزان في معاملة أخوة الدم. نعي أنّ قرار الحصار على قطاع غزة عالميّ وبضغط إسرائيلي- أمريكي. ولكن يؤسفنا أنّ التنفيذ من خلال معبر رفح هو مصري حكومي مائة في المائة. ومن المؤسف إلى حد الشعور بالأسى، أن يسجِّل التاريخ سنتين مهمّتين منه، رعى فيها جنود مصر تنفيذ سياسة حكومتهم التي ينتج منها تجويع إخوانهم الفلسطينيين في قطاع غزة.
أمّا الحجج غير المعلنة للحكومة المصرية من تخوّفها من التيار الإسلامي الفلسطيني، والمعني هنا حركة حماس التي تحكم قطاع غزة، وانعكاسات ذلك على الداخل المصري لما للتيار الإسلامي من حضور قويّ في مصر، فنعتقد بغير دقتها أو صحتها. نحن هنا لا ندافع عن حزب فلسطيني، بل عن خيار الشعب الفلسطيني الذي انحاز في انتخابات حرة ونزيهة إلى هذا التيار. فالحصار والعزل هنا يمسّان إرادة الشعب الفلسطيني برمّته، ويبعث بحزمة من الرسائل في الاتجاه الخاطئ تماماً.
وبشيء من التفصيل في التعامل مع هذه النظرة، يتضح أنه قد ثبت جليّاً أنّ حركة حماس يمكن تصوّرها حزباً سياسياً بخلفية أيديولوجية، بمعنى أنّ المصالح تحكم سياستها شأنها شأن الأحزاب السياسية الفاعلة في العالم. ومن هنا جاءت سلسلة الخطوات التي أدّت إلى دخولها الانتخابات التشريعية وقبلها البلديات. ونشير هنا إلى العلاقة السورية مع التيار الإسلامي الفلسطيني وحالة التواصل المتقدمة، بالرغم من القطيعة الكاملة مع بعض قطاعات التيار الإسلامي السوري. لا نظن أنّ الإخوة في مصر في معزل عن هذه الأمثلة، وبالتالي فإن من الملموس أنّ هناك حرصاً تاماً من جانب الفلسطينيين على الابتعاد عن الشأن الداخلي المصري، وتحاشي خلط «الحابل بالنابل».
لعلّنا نذكر هنا أنّ المطلوب من مصر الحكومة ليس فقط رفع الحصار عن قطاع غزة. فنحن نحتاج إلى مراجعة شاملة للتعامل مع الشعب الفلسطيني. فسياسة التضييق ليست جديدة، وحمَلة الوثائق المصرية من أبناء الشعب الفلسطيني يعانون حقاً. وسياسة خفر الناس من مطار القاهرة إلى معبر رفح، وعدم مراعاة الحدود المقبولة للتعامل الإنساني، لم تعد تليق بمصر الكبرياء.
يبقى أن نقول، إنّ من أبجديات السياسة تقبّل السياسيين لتغيّر موازين القوى. وتبدّل الأحوال في الدول والمناطق. والحكمة تقتضي عدم الاصطدام مع إرادة الشعوب وخياراتها. والشعب الفلسطيني قال كلمته بشكل لا يمكن أن يكون عارضاً أو مجرد تعبير عن تأثر سطحي. ومن أراد التعامل مع القضية الفلسطينية فعليه أن لا يبتعد عن شعبها، لأنّ التجربة أثبتت أنّ القضية الفلسطينية استثناء في كثير من جوانبها، وحالات الشبه لا تنطبق بالمطلق على مناطق أخرى. إنها بالفعل «أم القضايا»، كما هي على الدوام مصر في الميراث الشعبي المصري والعربي أحياناً «أم الدنيا».
كلمة العودة: مجلة العودة – العدد الثاني عشر – السنة الأولى – أيلول (سبتمبر) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب




