قناة «الجزيرة».. إشادة لا بدّ منها

في الصميم: مجلة العودة – العدد الحادي عشر – السنة الأولى – آب (أغسطس) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب
اتسعت دائرة الإعلام العربي بفضائه العالمي خلال العقدين الماضيين كمّاً ونوعاً، وتعدّدت مشاربه وأهدافه، وازدادت قنواته، مع تفاعل واضح من مشاهدي كل هذا الكم الهائل من القنوات التي قاربت الأربعمائة. ويبقى أن الأغلبية العظمى للشعب العربي من المحيط إلى الخليج، تُجمع على ريادة «الجزيرة» في تصدّر قائمة الأكثر جذباً للمشاهدين. وأجد أن الأسباب ليست قليلة لتتبوّأ مكانة كهذه.
من أبرز ما يمكن أن يُسجّل لـ«الجزيرة» من إنجاز؛ نجاحها في إشعار المواطن العربي حيثما حلّ، بأنها تلامس قضاياه وهمومه الشخصية، مع كل التحفظات التي يمكن تسجيلها. لقد ساعدتها على ذلك المهنيّة العالية مع التقنيات المتطوِّرة، ما حسم المنافسة باكراً حتى أضحت خارج دائرة السباق لناحية صعوبة اللحاق بها. أدهشني ذات مرة حضور «الجزيرة» على كل شاشات التلفاز في قاعة «الترانزيت» في مطار إحدى العواصم العربية، التي ترعى قناة أُنشئت لمنافسة «الجزيرة» ذاتها.
لا ريب في أن الاهتمام بقضايا الأمة، وقضية فلسطين في مركزها؛ قد ساهم بفعالية في أن تملك «الجزيرة» القلوب والعقول في رقعة ممتدة من العالم ترنو لتمكين الحقوق وسيادة العدالة في عالمنا الذي يعاني اختلالات جسيمة، وفي صدارة ذلك أن ينتهى الاحتلال الذي يجثم على أوطاننا. وهنا يحضر أداء القناة المتميِّز في تغطية ما يتعلق باحتلال فلسطين والعراق، ما ساعد في جعل همّ القضيتين حاضراً في ضمير الأمة.
لا يمكن أن ينكر أي فلسطيني ما للإعلام عموماً ولقناة «الجزيرة» على وجه الخصوص من أثر في سياق حضور القضية المركزية للأمة ومؤشرات التفاعل معها.. ولم يقف ذلك عند حدود نقل الخبر المجرّد، على ضرورته؛ بل وصل إلى درجة التنوّع والإبداع في طرق الموضوعات. جاء المثال الجليّ على ذلك في إحياء الذكرى الستينية لنكبة فلسطين على امتداد عام 2008، واختيارها العنوان البليغ «حق يأبى النسيان»، وبأسلوب لا يمكن إلا أن يورث القناة الاحترام والتقدير من كل فلسطيني وعربي ومناصر للعدالة. لقد لمس الفلسطينيون تأثير هذه الحملة الإعلامية في إحياء الذاكرة والحفاظ على حق العودة، وهذا ما دفع مؤسسات بالمجتمع المدني إلى تكريم القناة، في شخوص طواقمها في غير مناسبة.
لم يقتصر الجهد فوق الجغرافيا العربية، بل انتقل حيث وُجد الخبر أو ما يهمّ العالم العربي في مختلف أنحاء البسيطة. وهنا نذكر تجربة فلسطينيي أوروبا مع قناة «الجزيرة». فقد كانت القناة وطواقمها المهنية حاضرة في رصد فعاليات المؤتمرات السنوية الستة في أرجاء القارة، ابتداءً من مؤتمر لندن 2003، وصولاً إلى مؤتمر كوبنهاغن 2008.
لقد واكبت «الجزيرة» هذه النجاحات التي مثلتها فعاليات ذات وزن مركزي ضمن تفاعلات القضية الفلسطينية، أضحت حدثاً مهماً في «الروزنامة» الوطنية. وقد وصل الموضوعُ ذروتَه في مؤتمر فلسطينيي أوروبا السادس، الذي أحيا ستينيّة النكبة في الثالث من أيار (مايو) الماضي. فكان أن شاهد كلّ من يتابع «الجزيرة مباشر» أحداث المؤتمر بجلستي الافتتاح والختام.
وقد انتقل الإعلامي البارع غسان بن جدّو، بحواره المفتوح من مؤتمر كوبنهاغن، إلى أفق مفتوح على امتداد عالمي، عندما نقل النبضَ الفلسطيني الدافئ من أقاصي الأرض، وجعل المتطلعين إلى العودة على تماس مع مدنهم وقراهم المغتصبة، ومع شتات شعبهم ومكوِّنات أمتهم.
هذه المواكبة لفعاليات ذات وزن، حتى ولو كانت في أقاصي الأرض؛ جديرة بالتقدير، وبأن يلمس الشعب الفلسطيني على أرضه أنه ليس وحده في الميدان.
يعكس ذلك ما للإعلام من دور في تسليط الضوء على الأحداث المهمة. ولا شكّ في أن ذلك يرفع من عزيمة الناشطين في حقل العمل العام لأجل فلسطين، ومعهم جماهير عريضة تلمس بالصوت والصورة إمكانية أن تظهر الأهمية القصوى لمجهوداتها، وأن تلقى الأصداء الملائمة لإسهاماتها. ولعلّ ذلك يجسِّد في الوقت نفسه شمولية القضية، وتشابك معادلة الصراع العادل من أجل استعادة الحقوق.
غنيّ عن القول أن التأثير في المعادلة السياسية لا يقتصر على ساحة الصراع في فلسطين، بمحدودية رقعتها الجغرافية، بل يشمل مكوِّنات متعددة، منها ما ترصده عدسة الكاميرا عبر العالم، وما يُكتَب ويُقال ويُرسَم أيضاً. فهذا كله يُسهم في إظهار أبعاد كان يصعب حضورها، ولها تأثير كنقاط قوة لصالح الشعب الفلسطيني في موازنة عسيرة مفروضة عليه. يدفع هذا إلى إعادة النظر في تعريف المصطلح السياسي والإعلامي «قلب الحدث»، لناحية النظرة الأشمل للموضوع، باستدعاء مجهودات دؤوبة ولاعبين لطالما كانوا مغيّبين. يبقى أن نقول إن «الجزيرة» لم تعد مجرّد قناة، بل هي تجسِّد حالةً وتَبعث ظاهرةً، ما دامت قد مهّدت طريقاً وعرة لمن سلك السبل من بعدها. وبهذا؛ فلا ينسينا ما سجّلناه في حق «الجزيرة» وطاقمها الدؤوب، من جهود كبرى ونوعية بذلتها قنوات أخرى عربية رائدة، وإعلاميون قاموا بأداء رائع في خدمة القضايا العادلة؛ وخصوصاً قضية فلسطين. قنوات عدّة تستحق أن تُذكر هنا، من بين الزحام، كـ«المنار» و«الأقصى» و«الحوار» و«الرسالة» و«اقرأ» و«المجد»، وغيرها من القنوات المتحدثة بالضاد وبسواها أيضاً
في الصميم: مجلة العودة – العدد الحادي عشر – السنة الأولى – آب (أغسطس) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب




