المقالات

بوش.. هل يعترف بحقائق الواقع؟!

كلمة العودة: مجلة العودة – العدد التاسع – السنة الأولى – حزيران (يونيو) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

بالغت الدولة العبرية ومن يدعمها في مظاهر الاحتفال والبهجة والفرحة المصطنعة بالذكرى الستين لقيام الكيان الصهيوني المزعوم على أرض فلسطين. وكان أن رجع رئيس أكبر دولة في العالم للمنطقة بعد أن كان فيها منذ أسابيع قليلة، لكي لا يفوته ذلك الحدث، ولكي يضمن زعماء الاحتلال وجوداً عالمياً يليق بالمناسبة. وفي خطابه أمام نواب الكنيست الإسرائيلي، بشّر الرئيس بوش الإسرائيليين بأنهم سيحتفلون بالذكرى المائة والعشرين لقيام دولتهم، وبأنّها ستبقى إلى ذلك الزمان، تحقيقاً لوعد الله لشعبه المختار.

من الطبيعي أن تحتفل الدول بقيامها. ومنطق الأشياء يقول بأنّ بقاء الدول لا يخالف المألوف، خاصة في القرن الواحد والعشرين. فالخريطة السياسية للعالم قد رُسمت وغالباً ما استقرت حدودها عبر تصنيف الدول. ولكن ما الذي يجعل الزعيم العالمي و «الحاكم بأمره» لهذا الزمان يؤكد في استشرافه للمستقبل أنّ هذا الكيان سوف يبقى، ويكون موجوداً بعد ستين سنة أخرى؟ لقد قال هذا مع أنّ الإمكانات المادية تقول إنّ الدولة العبرية متوافر لها كل شيء والدعم الذي تلقاه لا مثيل له. لماذا مثلاً، لا يتضمّن خطاب الرئيس نفسه لشعبه في ذكرى استقلال الولايات المتحدة، بتبشيرهم بوجود أمريكا بعد مائة سنة. لسان حال ذلك الرئيس المتغطرس والمتعجرف وكذلك الذين يدعمهم، بأنهم متخوِّفون، بل ومتشككون في إمكانية وجود هذا الكيان في المستقبل.

كلّ المؤشرات تفيد بأنّ الكيان الصهيوني في أزمة حقيقية. ولأول مرة في تاريخ الصراع يرضخ الساسة الإسرائيليون لمنطق التهدئة داخل فلسطين، مع أنّ ميزان الوضع الميداني غير محسوم لمصلحتهم. وهم يحاولون أن يبعثوا برسائل تعين مصر في وساطتها مع الفصائل على الوصول إلى حلول. لقد سجّل الشعب الفلسطيني أسطورة يجب أن تأخذ ما تستحق عند مؤرخي القضية، في صموده سنتين ويزيد على حصار دولي عزّ نظيره في العالم، شارك فيه الجميع، حتى أخوة الدم والعروبة. يبدو أنّ الإسرائيلي قد وعى معنى ذلك الصمود، وصدقت مقولة قادة المقاومة بأنهم سيقدمون دروساً في الدمج بين السياسة والمقاومة.

إن من يزور جرحى قطاع غزة الذين استقبلتهم مستشفيات اسطنبول التركية، يرى نموذجاً لشعب فلسطين ومعاناته. أصحاب الأطراف المبتورة، والأعين المفقوءة، ومن سيلازم فراشه بشلل نصفي طوال حياته. كل هؤلاء يمطرون زائرهم بمشاعر القوّة والعزّة والإصرار على استعادة حقوقهم. ويعرف ويعي من يلقاهم ويحادثهم ويسامرهم، سرّ بقاء القضيّة حيّة ناصعة، وكأن نكبة 1948 حدثت بالأمس. فإرادة الصمود التي يحملها هذا الشعب هي الأَدْوَم، وهؤلاء هم من قلبوا المعادلة رأساً على عقب، وجعلوا وزيرة الخارجية الأمريكية، التي تبدو متخوِّفة أيضاً على مستقبل هذا الكيان، تزور فلسطين ما يقرب من عشرين مرة خلال ولاية بوش الثانية وحدها. بهذا المعدل سيتعيّن على وزراء خارجية واشنطن أن يزوروا المنطقة ما يزيد على ثلاثمائة مرة، إذا صدقت نبوءة بوش بأن يبقى الاحتلال ستين سنة أخرى، وهو ما لا يمكن أن تحظى به أكبر الولايات الأمريكية المجاورة لواشنطن العاصمة. بقي أن يقرّ بوش بما يعيه وبما يعلن خلافه، بأنّ دعمه اللامحدود لهذ الدولة « الخداج» لن يجديها نفعاً، ولن يمنع استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه.

ما يؤلم أنّ عظم تضحيات الشعب الفلسطيني، ومدى نفاذية صموده وتأثيرها في المعادلة الإسرائيلية والأمريكية والدولية، لا يقابلها أداء وتفاعل سياسي من الرسمية الفلسطينية من جانب سلطة أوسلو، ولا حتى من جانب الرسمية العربية بالعموم. وباعتبار أنّ الرئيس محمود عباس قد حدّد خياره للممات، بأن لا بديل عن المفاوضات ولا إزعاج للسياسة الأمريكية في المنطقة، ولا وحدة وطنية بناء عليه، فلا أقلّ من بعض الدول العربية أن تنسجم مع البعد القومي للقضية، وتبادر إلى أن تتعامل مع الشعب الفلسطيني بما يستحق من تضحية. وليكن رفع الحصار عن قطاع غزة الردّ العملي على سياسة بوش وواشنطن، الداعمة بلا حدود للكيان الغاصب.

كلمة العودة: مجلة العودة – العدد التاسع – السنة الأولى – حزيران (يونيو) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى