المقالات

إلى أيـن يسيـرون بنـا؟

كلمة العودة: مجلة العودة – العدد السابع – السنة الأولى – نيسان (أبريل) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

طالما نادى كثيرون من أبناء الشعب الفلسطيني بمختلف أطيافهم السياسية، بضرورة وقف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، التي كانت دائمة الانعقاد دون أن تتأثر بكثير من الأحداث التي عصفت بالساحة من جراء سلسلة الجرائم الوحشية الإسرائيلية بحق أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة. كان الموقف يستوجب الحد الأدنى من وسائل الضغط، بوقف المفاوضات، التي تقريباً لم يعد الوفد المفاوض الفلسطيني يملك غيرها.

إن إعلان وقف التفاوض من جانب الطرف الفلسطيني لمدة عشرة أيام فقط، ثم المسارعة إلى الاستئناف بعد جولة كونداليزا رايس الأخيرة في المنطقة، يعطي انطباعاً بأنّ ما أقدم عليه المفاوض الفلسطيني جاء في دائرة ممارسة «التكتيك» على الشعب الفلسطيني، ولم يكن بإرادة الضغط على الجانب الإسرائيلي. وفي الواقع، فإنّ ما لمّح لذلك مبكراً أنّ التصريحات الرسمية الفلسطينية في اليومين الأولين لحرب الأيام الخمسة الإسرائيلية ضد قطاع غزة، كانت تلقي باللوم على صواريخ المقاومة وحكومة إسماعيل هنية في غزة وحركة حماس، بل انسجمت في بعضها مع التصريحات الإسرائيلية ذاتها. إلاّ أنّ حجم الضحايا الفلسطينيين، الذي وصل ذروته بسقوط أكثر من ثمانين شهيداً في يوم واحد، والتماسك الشعبي في الضفة وغزة حول المقاومة ودحر المحتل، يؤكدان أنّ الموقف الرسمي الفلسطيني لا يمكنه أن يبقى كما هو، وهكذا جاء الإعلان عن وقف المفاوضات، وهو الوقف الذي لم يتم الالتزام به سوى أيام قليلة.

نقرِّر هذا لنثبت بالتوازي، أنّ ارتباكاً ما حدث على الصعيد الرسمي الإسرائيلي من جراء هذا الإعلان بوقف المفاوضات، وفي الدوائر الدولية أيضاً، قابله ارتياح فلسطيني عند جميع الفصائل والقوى الشعبية، لامس شيئاً من وحدة الموقف التي طالما تاق إليها الشعب الفلسطيني خلال الشهور الماضية. يثبت ذلك في مجموعه أنّ التركيز على مقارعة المحتل، مع تماسك في الجبهة الداخلية الفلسطينية، كفيل في حدِّ ذاته بأن يحقق شيئاً من الاختراق السياسي في دوائر عدة، ولا نظنّ أن الطرف الفلسطيني المفاوض غير مستحضر لجدوى ذلك.

من المؤكد أنّ هناك اختلالاً في ميزان القوى لمصلحة الطرف الإسرائيلي بشكل لا يمكن مقارنته، الذي يحظى بدعم أمريكي لا يتوقف وبما يضمن بقاء تفوّقِه على الجانب الفلسطيني ومن ورائه أي دعم عربي نظري. ولذا فقد يبدو لوهلة أنّ الجانب الإسرائيلي هو بالتالي خارج دائرة الحاجة لهذه المفاوضات، لكنّ الواقع أنه بحاجة ماسة لأن يبقى المفاوض الفلسطيني ملازماً لطاولة المفاوضات، لعدة أسباب بعضها موضوعي وقانوني. فالمنشود في هذا الصدد أن يوفر الطرف المفاوض، ولو بشكل نظري، الغطاء الفلسطيني لأية تنازلات محتملة باسم الشعب الفلسطيني. وهذا الغطاء سيكون الوحيد الذي يجعل الكيان الإسرائيلي ضامناً لبقائه في المنطقة بإقرار صاحب الحق له بالسيادة على فلسطين. أما النقطة الأخرى فتقع في دائرة العلاقات العامة الدولية، وهي خطيرة حقاً. فالجلوس الفلسطيني إلى طاولة المفاوضات يشكل غطاء لجرائم الإسرائيلي الذي يظهر من خلالها وعبر شاشات التلفاز صانعاً للسلام وراغباً فيه، ممّا ينفِّس كثيراً من حالات الاحتقان ضد الاحتلال عندما يرتكب المذابح بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، وهذا ديدنه على الدوام.

يبقى الاستنتاج أنّ المفاوضات حاجة أمريكية أيضاً. فالولايات المتحدة التي تدعم وجود الكيان الصهيوني وأمنه، والتي لديها أيضاً مصالحها وتعكف كذلك على إدارة أزمات أخرى في المنطقة، من مثل العراق ولبنان، تحرص على مثل هذه المفاوضات لغرض التوصل إلى تسويات دائمة تضمن بقاءها المريح في المنطقة، بعقد اتفاقات بصياغة تتوافق مع أجندتها. ومن ناحية ثانية، قد تأتي الحاجة للمفاوضات كما عند الإسرائيلي في دائرة العلاقات، لإعطاء غطاء لبعض الممارسات الأمريكية في ساحات أخرى، أو حتى غطاء للإسرائيلي نفسه في فلسطين. وهكذا كان مؤتمر مدريد بعد زلزال الخليج (1990 – 1991) وما تلاه من سلسلة مفاوضات معدومة الأفق حتى يومنا هذا.

لا يمكن الشعب الفلسطيني أن ينتظر استرجاعاً لحقوقه التاريخية بأداء على الصعيد الرسمي الفلسطيني كالذي نراه في التعاطي مع القضايا المختلفة. فقياس الأمور والتحقق من جدواها لا يحتاجان إلى تبحّر عميق في السياسة، حتى يكتشف المفاوض الفلسطيني طرق الضغط على العدو والفرص المتاحة لتحقيق نقاط مهمة في طور استعادة الحقوق. ولكن يبدو أنّ المشكلة، إذا أحسنّا الظن، تبقى في وجود إرادة حقيقة برؤية سياسية تمضي بالشعب إلى برِّ الأمان، الذي طال انتظار الوصول إليه، بينما تُدار الأشرعة في اتجاهات لا تقترب بنا من الهدف.

كلمة العودة: مجلة العودة – العدد السابع – السنة الأولى – نيسان (أبريل) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى