بل كان في الإمكان.. أبدع ممّا كان!

كلمة العودة: مجلة العودة – العدد العاشر– السنة الأولى – تموز (يوليو) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب
هكذا تتبدّل الأمور، وتأتي الأحداث لتبرهن على أنّ المآلات ليست دوماً ما تريده القوى العظمى، وأبرزها الولايات المتحدة، في إنفاذ مشيئتها على الشعوب المضطهدة، ومثالها الشعب الفلسطيني.
ومهما علا شأن الدولة العبرية وعظمت قدراتها، وهي صنيعة تلك القوى ورأس حربتها في المنطقة، فللشعوب كلمتها ولها خياراتها. فبشيء من الإرادة ومزيد الصمود والثبات، رضخ الجميع للتعامل مع الواقع الجديد الذي فرضه الشعب الفلسطيني في قطاع غزة خلال العام الماضي، وخلال انتخابات المجلس التشريعي من قبل.
أذعن الاحتلال ببساطة لمنطق التهدئة المتبادلة في غزة، مع عدم ارتباط ذلك بإطلاق الجندي الأسير في القطاع. ومن المنتظر أن تتفكك حلقات الحصار تباعاً إثر ذلك، بينما لم تملك الإدارة الأمريكية سوى المصادقة على تلك الهدنة المؤقتة.
قد لا تصمد التهدئة طويلاً، كما هو حال العدو الصهيوني وديدنه مع كل الاتفاقات السابقة مع الأطراف الفلسطينية، ولكنّ الذي يبقى ثابتاً هو أنّ هناك معطيات وإشارات جديدة أوصلت إلى هذه التهدئة، تشكل بحدِّ ذاتها سابقة في تاريخ الصراع على أرض فلسطين.
لا نتغنّى هنا بإنجاز بحجم تحرير فلسطين، ولكنّنا لا نتجاهل بالمقابل الدلالات التي ينطوي عليها انصياع قيادة الاحتلال للتهدئة، ونزولها عن الشجرة، بما في ذلك تناسيها لشروط «الرباعية» التي كانت مفروضة على «حماس» لقبول الأمر الواقع، وهي الاعتراف بالكيان الصهيوني ونبذ المقاومة وإقرار اتفاقات التسوية المنهارة. كل ذلك لم يُلتفَت له إسرائيلياً ولا أمريكياً، على الأقل في هذه التهدئة، ما يشير إلى حجم الحاجة الإسرائيلية للّوذ من وطأة المقاومة الفلسطينية، ونجاعة أساليب المقاومين في إرباك العدو.
رغم كلّ ما قيل من صخب إعلامي، فإنّ الجبهة الداخلية الفلسطينية في قطاع غزة كانت متماسكة منذ 14 حزيران (يونيو) 2007، واكتشف الجميع أنّ غابة الأجهزة الأمنية كانت عبئاً على الشعب والمقاومة والقضية برمّتها. لقد انعكست وحدةُ القرار السياسي والإداري، واستمرارُ المقاومة بكافة صورها وإظهارها الشراسة المطلوبة، على تحقيق إنجاز جديد في معادلة الصراع بدا واضحاً في التوازنات التي قادت إلى التهدئة.
لقد تحقّق الجميع كذلك من أنّ الاقتتال الفلسطيني – الفلسطيني من أخطر ما يهدد القضية الفلسطينية. وبالمقابل، فإنّ احتواء حالة الفلتان الأمني التي استشرت طويلاً في قطاع غزة قد أضفى حالة من الارتياح والأمان داخل صفوف الشعب، ما انعكس إيجاباً على تحييد عامل ثبت أنه الأهم الذي كان يراهن عليه العدو في إنفاذ مخططاته، وخاصة أنّ الضغط الخارجي مهما عظم ليس بفعالية البلبلة الداخلية ولا بسطوتها.
الرسالة اليوم بالغة الدلالة، فأنْ يعيش مليون ونصف مليون فلسطيني في سجن كبير، وحصار بكل الألوان، ثم يتدبر هؤلاء أمرهم دون جرائم من أي نوع تذكر، ودون مظاهرات صاخبة تندد بـ«حكام غزة»، أو نداءات استغاثة من «جَورهم»، فإنّ هذا يستحق أن يدخل التاريخ بأحرف من نور، ويستدعي قراءات ومدارسات وتغطيات تكافئ ذلك كله.
اتضح جليّاً أنّ العدو الصهيوني رصد هذه الحالة جيداً، وأنه وعى مدى التفاف أبناء شعبنا الفلسطيني الغزّي حول خيار المقاومة، وأنّ خيار العدوان العسكري الشامل على القطاع الذي طالما لوّح به غير ذي نفع هذه المرّة. المأزق جاء في الواقع على الجبهة المقابلة، حيث تصاعدت الأزمات الداخلية الإسرائيلية وسلسلة الانتكاسات التي مُني بها الكيان، وخصوصاً في حقبة أولمرت السياسية المشبعة بمزيج من الإخفاقات الميدانية والفضائح المدوِّية.
لا شكّ أنّ صمود الشعب الفلسطيني رغم طول الحصار، ساعد على افتضاح بشاعة السياسة الدولية المنحازة في الصراع الدائر في فلسطين. وتبيّن أنّ القيم والمثل في دعم حقوق الإنسان والديموقراطية قد لا تكون أحياناً سوى شعارات زائفة. بهذا أصبح المتورِّطون في فرض الحصار واستدامته في حالة حرج، أصبحوا معها في أمسّ الحاجة للبحث عن مخرج من الوضع القائم. وهكذا أمكن تسجيل إنجاز فلسطيني، بالتفوق على تحالف دولي اجتمع على رقعة صغيرة من الأرض هي أكثر بقاع العالم اكتظاظاً بالسكان.
ما يعني شعبنا الفلسطيني الذي يسعى لانتزاع حقوقه، أنّ الذي جرى يؤكد أنّنا نحن من نملك خياراتنا. فبرغم ميزان القوى العسكري المختل لمصلحة العدو، إلاّ أنّ للشعب بدائله التي بإمكانها تحقيق اختراقات وتسجيل إنجازات تراكمية. يؤكد هذا مدى فشل التفاوض الماراثوني منذ مؤتمر مدريد (1991)، الذي أفرز اتفاقات أضاعت الحقوق وأوصلت القضية إلى أوضاع صعبة.
وبالتأكيد، كان بالإمكان طوال عقدين من الزمن أبدع ممّا كان.
كلمة العودة: مجلة العودة – العدد العاشر– السنة الأولى – تموز (يوليو) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب




