المقالات

في مسألة التعويض

في الصميم: مجلة العودة – العدد الخامس – السنة الأولى – شباط (فبراير) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

خلال ستة عقود خلت، أخذ مفهوم تعويض اللاجئين الفلسطينيين، بدلاً من عودتهم إلى ديارهم التي هُجّروا منها عام 48، يلازم كل الرؤى التي طُرحت لحلّ القضية الفلسطينيية بشكل عام، وفي مسألة حق العودة على وجه الخصوص.

لقد دأبت السياسة الإسرائيلية، وهي المتبنّاة أمريكياً، على تفسير القرار الأممي رقم 194 على اعتبار التعويض المنصوص عليه بديلاً للعودة، وليس كما يفهمه الشعب الفلسطيني من أنه حق حتمي مع تفعيل العودة.

وللأسف؛ فإنّ التعامل الرسمي العربي، بما في ذلك المبادرة العربية، يُفهم في سياق اعتماد مبدأ التعويض على أساس التخيير، وهو ما لا يبتعد عمّا جاء في «وثيقة جنيف» المحسوبة على بعض الفلسطينيين.

مكامن القلق الفلسطيني مما يدور، لها ما يبررها، خاصة بعد ما جاء مؤخراً في «رؤية» الرئيس الأمريكي بوش، التي تحدث عنها بعد لقائه الرئيس عباس في رام الله. فهو عندما عرض مشروعه خصّص بنداً في «الحل» الذي يطرحه لملف اللاجئين، ملوِّحاً بالتعويض كأساس لإغلاق هذا الملف. ومع ذلك؛ فإنّ بوش يدرك ما لموضوع حق العودة من وزن سياسي لا يستطيع أحد تجاهله أو تجاوزه. والفضل في ذلك يعود للاجئين أنفسهم الذين حافظوا على حقوقهم وأكدوا تمسكهم بحق العودة. ولا شكّ أنّ هذه الصلابة الشعبية الفلسطينية صعّبت المهمة على العدو الصهيوني، الذي يشعر بخطورة عدم الوصول إلى صيغ توافقية مع الفلسطينيين على إبطال حق العودة.

ولأنّ ملف اللاجئين يقف عقدة أمام منشار التهام الحقوق الفلسطينية؛ حرص بوش على التلويح بورقة التعويض، آملاً أن يجد من خلاله منفذاً لتفكيك صلابة الموقف الفلسطيني في ما يتعلق بحق العودة.

ولا ريب هنا أنّ التعويض حق طبيعي لكل أبناء الشعب الفلسطيني عن كل ما جرى بحقهم خلال سني العذاب، وحتى لقاء ما عانوه قبل النكبة. فالأمر يتعلق بضياع الممتلكات ووقوع أضرار مباشرة وأخرى غير مباشرة، بعضها ظاهر وجلي، وغيرها غائر ومستتر. ولا بدّ من أن يكون واضحاً، أنّ المعنيّ بمسألة التعويض هو كل من تسبّب بشكل مباشر بجريمة التهجير، أي العدو الصهيوني وعصاباته التي ارتكبت المذابح قبل النكبة وبعدها، وبريطانيا التي كانت مُنتدَبة على فلسطين، والأمم المتحدة التي شرعنت لقيام الكيان الاحتلالي. ومع هؤلاء يأتي في مراتب المسؤولية عن عذابات الفلسطينيين كل من ساهم في استمرار هذه المأساة، وإدامة حال اللجوء، بدعم الكيان الاحتلالي وتقويته على حساب الحق الفلسطيني.

نؤكد ذلك، ونقرّر بوضوح أيضاً أنّ طرح هذا الملف له أوانه. فمما يعود بالأذى الكبير على القضية الوطنية الفلسطينية، أن يتم التداول فلسطينياً بموضوع التعويض الآن، لجهة قبوله، أو حتى إجراء حوار بشأنه لمصلحة استمرائه. فتهجير الفلسطينيين موضوع سياسي من الدرجة الأولى، وإن كانت له أبعاد إنسانية صارخة. ولا يعقل البحث في علاج النتائج قبل التطرق لأصل المشكلة. إنّ الحق الجوهري هنا يأتي بتحقيق العودة فعلاً للديار التي هُجّر منها الفلسطينيون سنة 1948، أما القضايا الأخرى، من قبيل التعويض، فلاحقة وغير لاغية.

نشير إلى هذا ونحن نستحضر محاولات إضفاء صفة الاستثنائية على كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، خلافاً لما جاءت به القوانين الدولية وما جرت عليه السنن في حل القضايا الأخرى التي فيها شَبَه بالقضية الفلسطينية، ولذا فإنّ هذا المنحى الاستثنائي يجب أن لا ينطلي على الفلسطينيين أو يسلِّموا به، لأنه يأتي على حقوقهم الجوهرية قبل أي شيء آخر.

ثم علينا أن ندرك مسؤولياتنا: فمن أجل تحصين أبناء الشعب الفلسطيني من أن يضعف بعضهم بمفعول ظروف الحياة القاسية التي فرضت عليهم في مخيمات اللجوء أو في بعض الدول العربية الأخرى؛ نرى ضرورة تبني حملات توعية شاملة لمواجهة عواقب الإنزال الأمريكي في فنائنا الخلفي، وتصليب جبهة الحق الفلسطيني. ومن ذلك؛ أولوية وضع قانون وطني يحرم التعامل مع التعويض. وينبغي بشكل موازٍ التحدث مع الدول العربية التي تستضيف لاجئينا، وتبيان خطورة استمرار أوضاعهم المعيشية المأساوية وأثر ذلك على ضياع الحقوق. فمن شأن التدهور المعيشي والحرمان من كرامة العيش أن يضعفا النفوس التي يجتاحها القهر ويفترسها الفقر والتعاسة، فتعجز عن التعامل مع أية بدائل للانعتاق من الظروف الخانقة المفروضة عليها.

في الصميم: مجلة العودة – العدد الخامس – السنة الأولى – شباط (فبراير) 2008
بقلم الكاتب : أستاذ ماجد الزير من كتاب للعودة اقرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى