المقالات

المصداقية الأوروبية والمستوطنات الإسرائيلية غير القانونية

الانقسام الفلسطيني لا يفسر الاحتلال ولا يبرر الاستيطان، لكنه يضعف القدرة على تحويل التقارير الأوروبية والتحولات الشعبية والفرص القانونية إلى مكاسب سياسية ملموسة

أضحت المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في فلسطين المحتلة الاختبار الأكثر وضوحاً لمصداقية الموقف الأوروبي على المستوى القاري والقطري على حد سواء، تجاه انهاء الصراع في فلسطين والوصول لحل دائم، فإنتهاكات حقوق الإنسان من قبل دولة الإحتلال مستمرة منذ نكبة فلسطين عام 1948، تمظهرت كمثال صارخ خلال الثلاث سنوات الأخيرة بحرب إبادة وتطهير عرقي في غزة.

والسؤال المطروح بين يدي ساسة الاتحاد الأوروبي بمدى جديتهم في حماية مشروعهم السياسي المتبنى بشكل جماعي وهو حل الدولتين الذي يعلنون دائما التمسك به، وبما يعني إنهاء الإحتلال بالكامل بكل ممارساته؟.

تزداد أهمية هذا السؤال بعد أن أصدر جهاز العمل الخارجي الأوروبي EEAS (والذي يعد من الناحية التنفيذية كوزارة الخارجية للإتحاد الأوروبي، وترأسه الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، ويعمل بالتنسيق مع المفوضية الأوروبية وتحت إشراف وتوجيه مجلس الإتحاد الأوروبي والمجلس الأوروبي) في 17 تموز/يوليو 2026 وعلى موقعه الرسمي تقريره السنوي عن عام 2025 صورة موثقة لمشروع الإستيطان بإعتباره ضمن رؤية سياسية مركزية اسرائيلية متكاملة، لا لمجرد توسع سكاني عابر.

المشروع يجمع بين بناء المستوطنات وشرعنة البؤر والاستيلاء على الأراضي وعنف المستوطنين وتغيير أنظمة الإدارة والحكم، في مسار وصفه التقرير بأنه تسارع نحو الضم الفعلي، وتقويض متزايد لفرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. والإفتراض المباشر بعد هذا الوصف لأصحاب التقرير أن يتم التنسيب لإجراءات رادعة بحق هذا المشروع اللاقانوني حسب معايير الإتحاد الأوروبي نفسه..

ويسترسل التقرير في وصف تفصيلي للإجراءات الإسرائيلية التي يعتبرها حسب استنتاج المطلع على التقرير بأنها إعتداءات صارخة على الحقوق الفلسطينية. فقد ورد في التقرير أنّ الحكومة الإسرائيلية وافقت وخلال عام 2025 على إنشاء 54 مستوطنة رسمية جديدة في الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، وهو رقم غير مسبوق في العام الواحد، أو أقامت 86 بؤرة استيطانية جديدة، من بينها 58 بؤرة زراعية ورعوية..

ويذكر التقرير أن مخططات لبناء 63,311 وحدة استيطانية، منها 27,941 في الضفة الغربية و35,370 ضمن 56 مخططاً في القدس الشرقية. ويفوق هذا الرقم بضعفين عن الرقم القياسي السابق والمدون عام 2023، كما يكشف حجم القفزة منذ عام 2018، حيث بلغ عدد الوحدات التي تقدمت مخططاتها 11,513 وحدة.

ويعتبر جهاز العمل الخارجي الأوروبي أن مآلات المشروع ستؤدي بشكل حتمي إلى شطر الضفة الغربية، وقطع الإرتباط بين شمالها وجنوبها، وفصل القدس الشرقية عن باقي الأراضي الفلسطينية وتحويل الوجود الفلسطيني إلى تجمعات منفصلة ومنعزلة ومحاصرة، ويتضاءل بذلك لحد كبير أي إحتمال لإقامة دولة فلسطينية، وهذه الدولة المؤملة هي الأركان الرئيسية للحل المستقبلي للصراع حسب السياسية الاوربية الرسمية الممتدة على عقود، فتكاد تكون جملة: “حل الدولتين كأساس لإنهاء الصراع” هي الأكثر تكراراً على لسان السياسيين الأوروبين منذ حرب الأيام الستة عام 1967.

ويغذي التقرير الأوروبي السردية الفلسطينية بأن الصراع لم يبدأ مع أكتوبر 2023، فقد حظيت حرب الإبادة والدمار الواسع في قطاع غزة وخلال ما يقرب الثلاث سنوات باهتمام دولي كبير، فيأتي تقرير الجهاز الأوروبي ليكشف حجم اعتداءات دولة الاحتلال في الضفة الغربية التي ليس فيها مقاومة فلسطينية مسلحة بالمعنى الشامل كما في غزة، فقد شهدت الضفة الغربية في الوقت نفسه اعتداءات أخرى سابقة على الأراضي الفلسطينية وعلى الفلسطينيين، تمثلت في مصادرة الأرض وتهجير السكان وتقطيع الجغرافيا وفرض السيطرة الاستيطانية كأمر واقع.

وفي الأيام الأخيرة من شهر تموز/يوليو الجاري تكشّف استمرار العدوان بشكل منهجي وبالتوازي مع جرائم الاحتلال الدامية والمستمرة في قطاع غزة، وتأتي أحداث قرية (تل – قضاء نابلس) والتي اندلعت فجر الجمعة 24 تموز لتعطي دليلاً جديداً على المخطط الاستيطاني في الضفة الغربية، ويرتقي 4 شهداء فلسطينيين لينضموا إلى كوكبة آلاف الشهداء الذين سبقوهم منذ نكبة فلسطين 1948.

ويقترب عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية من الثمانمائة ألف يشكلون كتلة بشرية تعمل ببنيتها التحتية الكاملة ضمن منظومة عضوية كاملة مع مؤسسات الإحتلال الإسرائيلي. وينتهج المستوطنون لترسيخ واقعهم الاستيطاني اللاقانوني وسائل عدوانية سافرة ضد الفلسطينيين، ويحظى كل هذا بحماية ورعاية كاملة وظاهرة من جنود دولة الإحتلال، وتأتي ممارسة العنف المباشر في مقدمة الأفعال.

وفي أستعراضنا للإجراءات الأوروبية كرد فعل على الحقائق الموضوع على طاولة صانعي القرار على الصعيد القاري والقطري نجدها لا تتناسب البتة مع عِظَم الفعل الإسرائيلي ولا تشكل رادعا حقيقيا رغم أنه في الطريق الصحيح حتى بالحدود الدنيا لها وهي تأتي تحت مسمى عقوبات، وهي لا تفرض على دولة الإحتلال طرح موضوع الإستيطان برمته..

فيأتي في السياق فرض الاتحاد الأوروبي في 28 أيار/مايو 2026 عقوبات على أربعة كيانات وثلاثة أفراد من المستوطنين والمنظمات الداعمة لهم، شملت تجميد الأصول، ومنع توفير الموارد الاقتصادية، وحظر سفر الأفراد. وضمت العقوبات جهات تشارك في إنشاء البؤر وتمويلها ودعم التهجير والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. وناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 13 تموز/يوليو 2026 خيارات إضافية لتقييد التجارة مع المستوطنات، من بينها الحظر الكامل أو الجزئي لوارداتها، وتشديد تراخيص التصدير، وإمكانية فرض الرسوم الجمركية، أقرت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس بأن سياسة التمييز الحالية لم تنجح في الحد من التجارة مع المستوطنات بسبب تفاوت تنفيذها بين الدول الأوروبية.

وعلى المستوى القطري فقد أقر مجلس النواب الأيرلندي في 7 تموز/يوليو 2026 مشروع قانون حظر استيراد بضائع المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأكمل مجلس الشيوخ المراحل النهائية للقانون في منتصف تموز/يوليو، وبانتظار التوقيع ليصبح تشريعاً نافذاً من الناحية الدستورية. واعتمدت بلجيكا في 18 تموز/يوليو مشروع مرسوم ملكي لإخضاع السلع القادمة من المستوطنات لنظام وطني خاص للتراخيص والرقابة والعقوبات، تنفيذاً لقرارها حظر واردات المستوطنات إلى حين اعتماد إجراء أوروبي شامل. وتمثل هذه الخطوة تقدماً قانونياً وسياسياً. وأصدرت هولندا في 21 تموز/يوليو 2026 قراراً بالعقوبات الاقتصادية يستهدف السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي التي تحتلها إسرائيل وسيدخل حيّز التنفيذ في 22 أيلول/سبتمبر 2026.

السياسة الأوروبية الحالية تبدو أقرب إلى إدارة أزمة الاستيطان منها إلى الدفاع الحقيقي عن حقوق الشعب الفلسطيني أو حتى على الحفاظ على المشروع السياسي الأوروبي المتبنى لحل الصراع والمتمثل بحل الدولتين. ولعلنا نعزو هذه الإجراءات نتيجة للحرج الأوروبي من حجم الجرائم الوحشية التي قامت بها قوات الإحتلال في غزة، وأيضا للضغط الشعبي الهائل في الشوارع الأوروبية، وكذلك للسوابق القانونية في محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات، وهذا يفرض معادلات في التوازنات الانتخابية المفترضة في الدول الاوربية المختلفة، فلهذا فُرضت هذه الاجراءات الخجولة وغير الكافية.

ويتضح هذا التناقض أيضاً في البيان الرسمي الصادر عن الاتحاد الأوروبي في 24 تموز/يوليو 2026 والمنشور على موقع جهاز الخدمة الخارجي الأوروبي EEAS ، والذي عبّر فيه عن “قلق عميق” إزاء تصاعد العنف إشارة الى أحداث قرية تل في الضفة الغربية.

ورغم أهمية هذا البيان في تثبيت سجل إضافي لعنف المستوطنين والعمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية إلا أنه لا يرتقي إلى مستوى ردع هذه الأفعال الإجرامية.

ويأتي هذا الرأي في إطار أنّ أوروبا تمتلك أدوات أقوى بكثير من التي استخدمتها حتى الآن. الاتحاد الأوروبي هو كتلة اقتصادية وسياسية كبرى، وتربطه بإسرائيل اتفاق شراكة يوفر إطاراً واسعاً للامتيازات التجارية والاقتصادية والسياسية والعلمية.

تنص المادة الثانية من اتفاقية الشراكة على أن العلاقات بين الطرفين وجميع أحكام الاتفاقية تقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، باعتبار ذلك عنصراً أساسياً فيها. فأوروبا تستطيع فرض حظر موحد على التجارة مع المستوطنات، وتوسيع العقوبات لتشمل الجهات التي تمول البؤر وتديرها وتحميها، ومنع الشركات المتورطة في الاستيطان من الوصول إلى السوق والتمويل والبرامج الأوروبية، وتشديد القيود المصرفية والاستثمارية، وربط الامتيازات الممنوحة لإسرائيل بمؤشرات واضحة لوقف الاستيطان والعنف والتهجير.

قالت كايا كالاس إن الرأي القانوني لدى مجلس الاتحاد الأوروبي يتيح التعامل مع الإجراءات التجارية بالتصويت بالأغلبية المؤهلة، وأضافت أن الاتحاد يستطيع التحرك (إذا توفرت الإرادة)!!

تتكيف إسرائيل مع إجراءات أحادية ومتفرقة تتخذها بعض الدول، لكنها تتعامل بصورة مختلفة مع سياسة جماعية تصدر عن الاتحاد الأوروبي بوصفه شريكها التجاري والسياسي الأهم. المطلوب ليس التقليل من قيمة الإجراءات القطرية المنفردة، بل الوصول بها إلى موقف إتحادي يجعل الإستيطان والمستوطنين عبئاً ثقيلا على الإحتلال.

ويستطيع السياسيون أن يتذرعوا بالضغط الشعبي الهائل الذي تبدل ضد دولة الإحتلال وسياساتها بشكل إنقلابي خلال حرب الإبادة الجماعية، وتمظهر بصور المظاهرات والفعاليات في الشوارع التي لم تتوقف ووصلت إلى أكثر من 50 ألف مظاهرة وفعالية في أكثر من 25 دولة أوروبية غربية في أكثر من 800 مدينة على إمتداد جغرافيا القارة.

وتجلى أيضا في المبادرة الأوروبية للمواطنين رقم 2025/000005، الداعية إلى التعليق الكامل لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. فقد أنهى منظمو المبادرة جمع التواقيع في 15 تموز/يوليو 2026، قبل نحو ستة أشهر من نهاية المدة القصوى المتاحة، بعدما جمعت في وقت قياسي 1,300,129 توقيعاً من مواطني الاتحاد الأوروبي. وامتدت خريطة التأييد الشعبي القوي إلى 14 دولة من أصل 27 دولة (باحتساب سلوفينيا التي اقتربت كثيراً من عتبتها الوطنية)، بينما تشترط لوائح قبول المبادرة جمع مليون توقيع صحيح وتجاوز الحد الأدنى الوطني في سبع دول أعضاء على الأقل.لم يطالب الموقعون بإدانة جديدة أو موقف إنساني عام فقط، بل بإجراء سياسي واقتصادي واضح يمس جوهر العلاقة الأوروبية مع دولة الإحتلال.

مسؤولية فلسطينية موازية

لا تعفي أزمة المصداقية الأوروبية الساحة الفلسطينية من مسؤولياتها. فالهدف الوطني الفلسطيني الجامع أبعد من موضوع الإستيطان فهو معني بإنهاء الإحتلال برمته، ولكن عنوان الإستيطان بإعتبار الموقف الأوروبي الرسمي هو قضية قابلة للضغط الحقيقي فلسطينياً لتحقيق مكسبٍ نسبيٍ بهذا الصدد، فمواجهة مشروع منظم للضم والاستيطان تحتاج إلى ترتيب جدي للبيت الفلسطيني، وإلى استراتيجية وطنية جامعة تربط بين المقاومة والعمل السياسي والقانوني والدبلوماسي، وتستثمر التحول المتنامي في الرأي العام الأوروبي.

يضاعف من أهمية هذا الجانب أن التقديرات الإحصائية لتعداد الفلسطينيين المنتشرين في الدول الأوربية إلى أكثر من 800 ألف مما يؤهلهم أن يكون لديهم 25 ممثلا للمجلس الوطني الفلسطيني المرتقب، وضمن مساحة الحرية والأدوات اللوجستية المتاحة وانفتاح الحدود، فبالإمكان إجراء انتخابات لهذه الشريحة المهمة من الشعب الفلسطيني تُنتج مجلساً تمثيلياً منهم سيكون بفعله المتوقع أداة ضغط قوية على دول الإتحاد الأوروبي. وهذا الحال ينطبق على أوضاع فلسطينيي الأميركيتين والشرق البعيد في أستراليا ونيوزلندا.

لا يمكن مواجهة مشروع إسرائيلي متكامل بواقع فلسطيني منقسم، أو بقرارات وطنية تتخذ بصورة منفردة، لذلك تكتسب قضايا إعادة بناء منظمة التحرير، وإجراء انتخابات حقيقية للمجلس الوطني، وتجديد الشرعيات، واعتماد الشراكة بدلاً من التفرد بالرأي، أهمية تتجاوز الخلافات الداخلية، لأنها تتصل بقدرة الفلسطينيين على إنتاج قيادة شرعية وتمثيلية، يشارك في اختيارها أبناء الشعب في الوطن والشتات ،ويزداد هذا الواجب إلحاحاً في ظل السجل الإجرامي الإسرائيلي المستمر بشكل يومي في الضفة الغربية وقطار غزة.

لانقسام الفلسطيني لا يفسر الاحتلال ولا يبرر الاستيطان، لكنه يضعف القدرة على تحويل التقارير الأوروبية والتحولات الشعبية والفرص القانونية إلى مكاسب سياسية ملموسة.

يحتاج الشعب الفلسطيني، في ظل هذه التغيرات، إلى إدارة وطنية قادرة على استيعاب التحولات السياسية والشعبية الدولية، والاستفادة منها بكفاءة، وتوظيفها في خدمة الشعب الفلسطيني وقضيته ومشروعه في التحرر والعودة وتقرير المصير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى